قصص قصيرة

جوزي حبسني حكايات الهواري  

جوزي حبسني حكايات الهواري

“جوزي حبسني في المطبخ عشان مـا يتكسفش مني قدام ضيوفه.. بس ‘لقمة’ واحدة غيرت مصيرنا للأبد!”

من أول يوم دخلت فيه بيت “مدحت”، وأنا كنت فاكرة إني دخلت دنيا جديدة… دنيا فيها نور، وراحة، وحياة تانية خالص غير اللي اتربيت فيها في الصعيد. هو كان بيبص لي كأني كنز، كان بيقول لي: “إنتي طعمك مختلف… حتى أكلك ليه روح!”… وكنت بصدقه. كنت فاكرة إن الروح دي هي اللي خلت واحد زيه، متعلم وعايش في الزمالك، يحب واحدة بسيطة زيي.

بس الدنيا مابتفضلش على حالها.

أول سنة جواز كانت حلوة… تاني سنة بدأ يتغير… تالت سنة أنا اللي بقيت غريبة في بيتي.

بقى كل حاجة فيا “غلط”… لبسي بسيط، كلامي تقيل، ضحكتي عالية، أكلي “تقيل”… حتى ريحة التوم بقت “فضيحة” في نظره! كان بيبص لي أوقات كأني غلطة حاول يصلحها بس معرفش.

وفي الليلة دي… ليلة العزومة… حسيت إن الغلطة وصلت لآخرها.

من الصبح وهو بيدي أوامر:

“مفيش

أكل تقيل!”

“مفيش طواجن!”

“مفيش ريحة توابل!”

“اعملي أكل راقي… فاهمة يعني إيه راقي؟!”

هزيت راسي وسكت… بس جوايا كان في حاجة بتتكسر.

ولما الضيوف وصلوا… دخل عليّ المطبخ، بص حواليه، واتأكد إني محبوسة جوه، وقالها بصراحة:

“خليكي هنا… مش عايز مواقف بايخة قدام الناس.”

وقفل الباب.

ساعتها… وقفت قدام الطواجن… وبصيت لإيدي… لنفسي… وافتكرت أنا مين.

أنا “نورا”… اللي أمي علمتها الطبخ وهي عندها 10 سنين… اللي كانت بتطبخ لعيلة كاملة لوحدها… اللي الناس كانت تيجي من آخر البلد عشان تدوق من إيديها.

أنا مش “إحراج”.

أنا أصل.

وفي اللحظة دي… قررت.

عملت الأكل اللي هو قال عليه “عيب”.

دقت التوم… وسمعت صوته كأنه بيرجع لي روحي.

حطيت السمن البلدي… وريحة البيت القديم رجعت.

قلبت اللحمة في الطاجن… ودموعي نزلت من غير صوت.

مش دموع ضعف…

دموع حد بيسترجع نفسه.

ولما الأكل خرج… أنا ما خرجتش.

كنت

واقفة ورا الباب… سامعة كل حاجة.

الأول ضحك… كلام عادي… شوك وسكاكين…

وبعدين… سكون.

السكون اللي بيخوف.

واحد قال: “الأكل ده معمول فين؟”

واحدة قالت: “مستحيل ده شيف عادي!”

و”عثمان بيه”… سكت خالص.

وبعدين… كرسي اتحرك.

خطوات قربت.

باب المطبخ اتفتح.

رفعت عيني… لقيته قدامي.

بص للطاجن… خد لقمة… وغمض عينه.

وبعدين بص لي… النظرة دي عمري ما هنساها… نظرة واحد لقى حاجة ضاعت منه من سنين.

قال لي:

“مين علمك كده؟”

قلت له بهدوء:

“أمي.”

سكت شوية… وبعدين قال:

“إنتي بتشتغلي هنا بقالك قد إيه؟”

قبل ما أرد… صوت مدحت دخل بسرعة:

“دي… دي واحدة بتساعدنا بس!”

بص له “عثمان بيه”… بصه طويلة… تقيلة…

وبعدين رجع بص لي أنا.

وقال الجملة اللي غيرت كل حاجة:

“أنا عندي سلسلة مطاعم كبيرة… وبدور من سنين على الطعم ده… مش عايز شيف… أنا عايز روح… وإنتي عندك الروح دي.”

مدحت ضحك بتوتر:

1 2 3الصفحة التالية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى