
زيارة غير معلنة
ما هي. أول ما دخل الصالة لقى المحامي قاعد. استغرب وسأل في إيه؟
المحامي حط قدامه ورق وقال بهدوء دي أوراق الدعوى.
وشه اتغير في لحظة. حاول يتكلم كتير، لكن لما شاف الفيديو اللي كنت مسجلاه سكت.
القضية خدت وقت، لكن في النهاية المحكمة حكمت بالطلاق، وحصلت أنا على حقوقي كاملة وحضانة مريم.
مرت شهور بعد الحكم. حياتنا اتغيرت، لكن الهدوء رجع البيت تاني. مريم بقت تضحك أكتر، وأنا بدأت أرجع لنفسي بالتدريج.
وفي يوم من الأيام، وأنا بعلق رسمة جديدة لمريم على الحيطة، بصت لي وقالت
ماما هو إحنا كده بقينا عيلة صغيرة؟
ابتسمت ومسحت على شعرها وقلت
إحنا عيلة قوية يا مريم مش صغيرة.
ساعتها فهمت إن اللي حصل ما كانش نهاية حياتي كان بداية جديدة بس. لأن أحيانًا، اللحظة اللي بنكتشف فيها الحقيقة هي نفس اللحظة اللي بنبدأ فيها حياة مختلفة تمامًا.
بعد الحكم، رجع البيت هادي بشكل غريب. الهدوء الليزمان كان بيخوفني بقى دلوقتي مريح. أنا ومريم بقينا عايشين حياة بسيطة، لكن فيها راحة نفسية ماكنتش حاسة بيها بقالها سنين. في الأول كان صعب مش سهل إن الإنسان يقفل صفحة من عمره عاش فيها سنين طويلة. كل ركن في البيت كان فيه ذكرى، وكل حاجة كنت ببص لها كانت بتفكرني بأيام فاتت. لكن مع الوقت، بدأت أفهم إن الحياة مش بتقف عند حد.
مريم كانت أسرع مني في التأقلم. الأطفال عندهم قدرة عجيبة إنهم يتجاوزوا الألم لو حسوا بالأمان. بقت ترجع من المدرسة وهي تحكيلي عن صحابها، وعن المدرسين، وعن الرسومات اللي بتعملها في الكراسة. أوقات كنت ألاقيها قاعدة على الأرض في الصالة تبني بيوت من المكعبات، ولما أسألها بتقولي
ده بيتنا الجديد يا ماما فيه أوضة كبيرة ليكي وأوضة ليا وشباك كبير للشمس.
كنت أبتسم وأنا سامعاها، لكن جوايا كان فيه إحساس إن البنت الصغيرة دي أقوى بكتير مما كنت متخيلة.
عدى حوالي ست شهور.
في يوم كنت واقفة في المطبخ بعمل الغدا لما سمعت صوت الجرس. فتحت الباب لقيت واحد واقف ماسك ظرف. قال إنه تبع مكتب محاماة وسلمهولي ومشي. قفلت الباب وأنا مستغربة الظرف كان فيه أوراق رسمية.
فتحتها ولقيت رسالة قصيرة مكتوبة بخط أشرف.
كان أول مرة يكتب لي من يوم الحكم.
الرسالة كانت بسيطة جدًا
عارف إن الكلام دلوقتي مش هيغير حاجة. بس حبيت أقول إني غلطت. يمكن متأخر، بس دي الحقيقة. أتمنى إن مريم تبقى كويسة ولو يوم احتاجتني، أنا موجود.
قعدت شوية أبص للورقة.
ماحستش بغضب وماحستش حتى بالحزن. حسيت بشيء غريب أقرب للهدوء. لأن اللي فات خلاص بقى جزء من الماضي.
قطعت الورقة بهدوء وحطيتها في سلة المهملات.
في اللحظة دي دخلت مريم تجري من أوضتها وهي ماسكة ورقة كبيرة وقالت بحماس
ماما ماما بصي! رسمت حاجة.
فتحت الورقة كانت رسمة لبيت صغير، وشجرة كبيرة، وأنا وهي واقفين قدام الباب بنضحك. وفوقنا شمس كبيرة.
سألتها مبتسمة
فين بابا في الرسمة؟
بصت لي لحظة وبعدين قالت ببساطة
يمكن في بيت تاني.
الكلمة كانت بسيطة لكن معناها كبير.
وأنا حاسة إن كل التعب اللي عديت بيه كان يستاهل اللحظة دي. لحظة إن بنتي تبقى مطمئنة، وعارفة إن البيت مش مكان كبير ولا عدد ناس كتير البيت هو الأمان.
مرت سنين بعد كده.
مريم كبرت وبقت في المرحلة الإعدادية، وبقت تحب الرسم جدًا. كل حيطان البيت بقت مليانة لوحاتها. في مرة سألتها ليه دايمًا بترسم بيوت وشمس.
ابتسمت وقالت
عشان البيت اللي فيه نور بيبقى آمن.
وقتها بس فهمت إن اللي حصل زمان ماكسرناش بالعكس، بنانا من جديد.
وأحيانًا كنت أفتكر يوم الباب الموارب.
لو كنت دخلت ساعتها وصرخت، يمكن حياتي كانت هتمشي طريق تاني. لكن اللحظة
اللي اخترت فيها الهدوء كانت اللحظة اللي غيرت كل حاجة.
علمتني إن القوة مش دايمًا في الصوت العالي
أحيانًا القوة الحقيقية في إنك تمشي بهدوء وتبدأ حياة جديدة من غير ما تبص وراك.





