قصص قصيرة

اختفت فى الغابات

الأثر إلى الغابة ولا إلى الوادي بل توقف فجأة في منتصف الطريق. درس فريق الأدلة الجنائية المكان ساعات طويلة لكن سطح الحصى لم يكشف شيئا لا آثار فرملة ولا عراك ولا قطرات دم. وقد اتصل هاتف ميا بآخر برج إرسال عند الساعة التاسعة وخمس عشرة صباحا ثم اختفت الإشارة بعد ذلك.
لم تصل ميا غريفيث أبدا إلى ويكر بوينت بل اختفت في منتصف الطريق نحو هدفها تاركة المحققين أمام ملف سرعان ما وضع في الأرشيف تحت عنوان غير محلول.
عادت الغابة إلى صمتها مخفية الشاهد الوحيد على ما حدث عند الميل الثاني من الطريق.
في الثاني عشر من أكتوبر عام 2018 عند الساعة الثانية وأربعين دقيقة فجرا كانت شاحنة ثقيلة محملة بالأخشاب تسير ببطء في الجزء الجنوبي من الطريق السريع 21. كان يقودها تيد بانس سائقا مخضرما في الخمسين من عمره يعرف الطريق عن ظهر قلب.
يمر الطريق عبر غابات عميقة قرب وادي بوكسلي وهي منطقة تنعدم فيها تغطية الهواتف المحمولة لعشرات الكيلومترات ولا مصدر للضوء سوى مصابيح المركبات. كان الضباب في تلك الليلة كثيفا على نحو غير معتاد وقد ذكر بانس في تقريره لاحقا أن الرؤية كانت أقل من عشرة أمتار.
كان الضباب الكثيف ينحدر من الجبال محولا الطريق إلى نفق ضيق. وقبل منعطف خطير كاد السائق أن يخفف سرعته حين التقطت مصابيح الشاحنة نقطة شاحبة ثابتة على الجانب الأيمن من الطريق. ظن في البداية أنه غزال أعمته الأضواء وهو أمر شائع في الأوزاركس.
ضغط على المكابح غريزيا فاهتزت الشاحنة الضخمة وصرت الإطارات على الإسفلت المبتل. ومع اقترابها بدأ الشكل يتضح لم يكن حيوانا بل إنسانا. سجلت كاميرا لوحة القيادة تلك اللحظة المرعبة التي حللها لاحقا عشرات الخبراء.
يظهر التسجيل الشاحنة وهي تتوقف على بعد أمتار قليلة من الجسم وشخصا يقف حافي القدمين على الإسفلت البارد المبتل. لم يحاول الهرب ولم يحم وجهه من الضوء الساطع ولم يقم بأي حركة بل وقف وذراعاه متدليتان كأنه ينتظر أن تصدمه المركبة. قفز بانس من المقصورة حاملا مصباحا قويا.
كان يتوقع أن يرى أحد المشردين أو سائحا ضائعا لكن ما رآه في دائرة الضوء جعله يتجمد. وقد اعترف لاحقا أن رد فعله الأول كان العودة إلى الشاحنة وإغلاق الباب. أمامه كانت امرأة شابة ترتدي شيئا يشبه كيسا خشنا أو قطعة قماش سميكة مربوطة بحبل حول الخصر.
كانت قدماها مغطاتين بطبقة سوداء من الأوساخ ومليئتين بالقروح العميقة ما يدل على أنها سارت طويلا في الغابة دون حذاء. وكانت بشرة ذراعيها ووجهها شاحبة إلى درجة أنها بدت شبه شفافة تغطي العظام كرق رقيق حتى بدت المرأة كهيكل عظمي حي.
ومع اقترابه لم يستطع مقاومة شعور بالغثيان فقد كانت تفوح منها رائحة ثقيلة خانقة مزيج من التراب الرطب والتعفن والأمونيا رائحة شخص عاش أشهرا في ظروف غير صحية. كان شعرها متشابكا في كتلة متسخة عالقة بها أوراق وأغصان لكن أكثر ما أرعبه كان وجهها.
كانت تنظر مباشرة إلى ضوء المصباح بعينين مفتوحتين على اتساعهما لا خوف ولا أمل ولا رجاء في تلك النظرة بل فراغ تام. صرخ بانس
هل تحتاجين إلى مساعدة هل تسمعينني
لكن المرأة لم تجب ولم تومئ ولم تبك ولم تحاول الكلام بل خطت خطوة بطيئة مترددة نحوه.
قطع صمت الغابة صوت غريب شهيق حاد صفيري يخرج من أنفها كصوت هواء يتسرب من منفاخ ممزق. هدأ السائق قليلا خلع معطفه ووضعه برفق على كتفيها فلم تبد أي رد فعل. أجلسها على عتبة الشاحنة ثم أسرع إلى المقصورة ليتصل بخدمة الطوارئ.
وأثناء انتظار المساعدة بقيت المرأة ساكنة تعانق نفسها وتركز نظرها في نقطة واحدة من الإسفلت. وصلت دورية الشرطة عند الساعة الثالثة وخمس عشرة دقيقة فجرا ولم يفهم الشرطي في البداية من تكون إذ لم تكن تحمل أي وثائق. لكن عندما أضاء وجهها وأدخل وصفها في قاعدة بيانات المفقودين ظهرت مطابقة بدت له غير معقولة كانت ميا غريفيث الفتاة التي اختفت قبل عامين.
عادت من بين الأموات. كانت حية لكنها صامتة كأنها نسيت كيف تستخدم صوتها. وفي الرابعة صباحا كانت سيارة الإسعاف تشق الطريق نحو المركز الطبي الإقليمي في هاريسون وصفاراتها تعوي بينما كانت حالة المريضة حرجة للغاية.
وأثناء الطريق حاول المسعفون تثبيت حرارتها وإعطاءها سوائل وريدية إذ كانت أوردة ذراعيها متورمة بسبب الجفاف. حاول أحد المسعفين التحدث معها لتقييم حالتها العصبية
ميا إذا كنت تسمعينني حاولي قول اسمك أو أومئي برأسك.
نظرت إليه بعينين صافيتين مذعورتين وقد فهمته. توترت عضلات عنقها وانتفخت الأوردة وارتفع صدرها محاولة التنفس لكن عندما حاولت فتح فمها حدث أمر غير طبيعي لم تنفتح شفتاها وتصلبت فكها السفلى بينما ظل الفم مغلقا كأن قوة خفية أو عائقا جسديا يمنعه من الداخل.
خرج من أنفها مرة أخرى الصفير المقلق نفسه.
عند الساعة الرابعة وخمس وثلاثين دقيقة فجرا كانت غرفة الطوارئ في المركز الطبي الإقليمي مكتظة. أعلن الفريق الطبي حالة طوارئ قصوى فقد كانت ميا تعاني انخفاضا شديدا في الحرارة إذ لم تتجاوز حرارة جسدها خمسا وثلاثين درجة وكان مستوى الجفاف خطيرا إلى حد أن جلدها فقد مرونته وبدا كرق جاف.
حاولت الممرضات عبثا العثور على أوردة في
ذراعيها لإدخال المحاليل فالأوعية كانت منقبضة لا تسمح

الصفحة السابقة 1 2 3الصفحة التالية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى