قصص قصيرة

بعت أكل في الشارع 20 سنة… وفي حفل ابني وقفت شركة كاملة على رجليها بسببي!

أرتّب الأكياس، وأمسح البخار عن وجهي، وأتظاهر أمام الناس أن التعب لا يسكن عظامي.
ثم وقفت امرأة من الصف الرابع.
لم أكن قد انتبهت لها من قبل، لكنها بدت واثقة، أنيقة، من تلك النساء اللواتي تعتقد أنهن وُلدن وهنّ يعرفن طريقهن. ابتسمت لي ابتسامة مختلفة، ليست من باب المجاملة، بل كأنها تعرفني منذ زمن.
وقالت بصوت واضح
أنا أتناول هذا الطعام منذ سنوات
في اجتماعات المجلس دون أن أعرف أنه من صنعكِ.
ثم نظرت إلى سباستيان وأضافت
كان يحضره كل
ديسمبر، ويقول دائمًا هذه أفضل طاهية أعرفها.
ضحك الجميع.
لكن ضحكهم هذه المرة لم يكن مثل السابق.
كان أخفّ أقرب كأنهم لم يعودوا يرونني غريبة بينهم.
نظرتُ إلى ابني بدهشة حقيقية.
إذًا كنتَ تفخر بطعامي؟
كنت أسأله وكأنني أكتشف سرًا ظلّ مخفيًا سنوات.
ابتسم تلك الابتسامة التي أعرفها، ابتسامة طفل يحاول أن يبدو أكبر من فرحته.
دائمًا
ثم أضاف وهو يقترب أكثر
لكن اليوم حان الوقت أن أفخر أيضًا بصاحبته.
شعرتُ بشيء ينكسر داخلي.
لا
ليس انكسار ضعف.
بل انكسار ذلك الحاجز الذي ظلّ بيني وبين نفسي لسنوات ذلك الصوت الذي كان يقول لي أنتِ فقط امرأة تبيع الطعام فيالشارع.
رفعتُ يديّ إلى وجهي.
ليس خجلًا.
بل حتى لا أذوب أمامهم.
حتى لا أتحول إلى بكاءٍ لا يتوقف.
حتى لا يروا كيف أن كل تلك السنوات كانت تنتظر هذه اللحظة فقط.
وفي تلك اللحظة، عاد إليّ مشهد قديم.
ليلٌ بارد.
مصباحٌ ضعيف.
وسباستيان في السادسة عشرة، نصف نائم، يربط أكياس الشراب بيدين مرتجفتين من التعب.
كنتُ قد قلت له يومها
لا تشغل
بالك بي. أنت فقط ادرس أنت لم تُخلق لهذا الشارع.
لم ينظر إليّ.
لكنه قال بصوتٍ منخفض، وكأنه يحدّث نفسه
ربما لم أُخلق لهذا الشارع لكنني أيضًا لم أُخلق لأنسى من أوصلني إلى أي مكان.
حينها لم أفهم عمق كلماته.
أما الآن
فقد فهمت.
كان يفي بوعدٍ قديم دون أن يذكّرني به.
انتهى الحفل أو ربما استمر، لا أعلم.
كل شيء بعد ذلك صار كأنه حلم بطيء.
الناس بدأوا بالنزول من المقاعد.
الأصوات اختلطت.
التصفيق صار بعيدًا كأنه يأتي من مكان آخر.
لكن ما لم أتوقعه
أن كثيرين لم يتجهوا إليه أولًا.
بل إليّ.
رجال ببدلات رسمية
نساء بعطور فاخرة
أيدٍ تمتد نحوي واحدة تلو الأخرى.
شكرًا لكِ.
لقد صنعتِ رجلًا عظيمًا.
هذا فخر لنا جميعًا.
كنتُ أبتسم ابتسامة غير مرتبة.
لا أعرف أين أنظر.
ولا ماذا أقول.
ووسط كل ذلك
كانت رائحة القرفة ما تزال في أصابعي.
كأنها ترفض أن تغادرني.
كأنها تقول لي هذا أنتِ لا تنسي.
اقتربت مني فتاة شابة من فريق التنظيم.
كانت تمسك جهازًا صغيرًا، لكن عينيها لم تكونا تنظران إليه.
كانت
تنظر إليّ.
وقالت بصوت منخفض
أمي أيضًا تعمل في الشارع
ثم ترددت قليلًا قبل أن تكمل
رؤيتكِ هنا لا أعرف جعلتني أشعر بشيء مختلف.
ابتسمتُ لها.
ابتسامة هذه المرة خرجت من قلبي.
وقلت لها
إذًا تعالي نلتقط صورة جميلة حتى نريها لوالدتكِ.
ضحكت.
ضحكت بصدق.
وللمرة الأولى شعرت أنني لا أقف بينهم كغريبة.
بل كواحدة منهم وربما أكثر.
بعد فترة، وجدنا أنفسنا وحدنا في ممر جانبي.
هدأت الأصوات.
خفّ الضوء.
وعاد كل شيء إلى حجمه الطبيعي.
فكّ سباستيان ربطة عنقه
وتحوّل فجأة
من المدير العام
إلى ابني.
ابني فقط.
نظر إليّ وقال
هل أنتِ غاضبة؟
نظرتُ إليه طويلًا.
ليس لأفكّر في الإجابة
بل لأتأمّل هذا الوجه الذي كبر أمامي دون أن أنتبه.
ثم مددتُ يدي وعدّلتُ ياقة سترته.
كالعادة.
دائمًا تبقى جهة صغيرة فيها مائلة.
أنا متأثرة
قلت بهدوء
لأنك أخفيت عني كل هذا.
ضحك.
لكن ضحكته لم تكن خفيفة.
كان فيها شيء من الاعتراف.
كنتُ خائفًا
ثم أكمل بصراحة
خائفًا ألا تأتي.
هنا
فهمت.
فهمت أن كل هذا
لم يكن فقط مفاجأة.
كان
أيضًا خوفًا قديمًا
خوف طفلٍ من أن ترفضه أمه لأنها لا ترى نفسها في مكانه.
أمسكتُ وجهه بكلتا يديّ.
اسمعني جيدًا يا سباستيان
أنا قد أكون تعلّمت أن أحلم بصوت منخفض
لكنني لم أخجل منك يومًا.
تجمّدت عيناه للحظة.
ثم امتلأتا بالدموع.
نعم يا أمي.
وهناك أمر آخر
ماذا؟
هذا المحل سنعمل فيه جيدًا.
ثم رفعت حاجبيّ
لكن لا تظن أنك ستفلت من العمل معي.
ضحك.
ضحك من قلبه.
مستحيل.
خرجنا من المبنى معًا.
وكان الهواء في الخارج
مختلفًا.
ليس لأنه أنقى.
ولا لأنه أجمل.
بل لأنني لم أعد نفس المرأة التي دخلت قبل ساعات.
كان هناك شيء
بقي في الداخل.
شيء قديم متعب
لم يعد يصلح للمستقبل.
فتح لي باب السيارة.
ثم أشار إلى أعلى المبنى.
هل ترين تلك النافذة في الأعلى؟
رفعت رأسي.
نعم.
تلك مكتبي.
نظرتُ إليه.
ثم ابتسمت.
ابتسامة فيها كل التعب الذي تحوّل أخيرًا إلى نور.
وقلت
جميل يا بني
لكن غدًا، في الخامسة صباحًا ستكون معي لتحضير الصلصة.
اتّسعت عيناه.
ثم انفجر ضاحكًا.
حتى أنا؟
حتى أنت.
ثم أضفتُ وأنا أضع
يدي على كتفه
مهما أصبحت
لا تنسَ أنك من آل فارغاس.
ضحك
لكن هذه المرة
ضحك كما كان يفعل قديمًا
حين كان يقف بجانبي
قرب البخار
وقبل أن يعرف العالم اسمه.

الصفحة السابقة 1 2

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى