قصص قصيرة

دخلت المطعم بتاعي حكايات زهرة

دخلت المطعم بتاعي، اللي بيقدم أغلى حتة لحمة في مصر، وأنا لابس لبس شحات ومبهدل.. طلبت أغلى طبق في المنيو، بس الورقة اللي الجرسونة زحلقتهالي على الترابيزة خلت جسمي يتنفض وغيرت حياتي للأبد.
أنا حسين الشاذلي، عندي كل حاجة الفلوس تشتريها.. كل حاجة إلا الحقيقة.
في سن الاتنين وأربعين، وأنا رئيس مجلس إدارة مجموعة الشاذلي القابضة، ثروتي كانت معدية ال 10 مليار دولار. بمتلك أبراج إزاز في العاصمة، وبحرك البورصة بكلمة، وقاعد على قمة إمبراطورية فنادق ومطاعم ستيك الصفوة بيروحوا يدفعوا فيها آلاف الجنيهات عشان بس يحسوا إنهم مهمين لمدة ساعتين.
من بره، حياتي كانت زي الحديد. من جوه، كانت فشنك.
ورا شبابيك مكتبي في التجمع الخامس، كنت بحس إن كل كلمة مدح متسمّعة، وكل ابتسامة وراها مصلحة. مفيش حد بقى بيقولي الحقيقة.. لا الموظفين، ولا المديرين، ولا حتى الستات اللي بيضحكوا بصوت عالي على نكتي البايخة.
عشان كدة، كل كام شهر، كنت بختفي.
من غير سكرتارية.. من غير المرسيدس والسواق.. من غير البدلة ال كاستم ميد.
كنت
بغير الهدوم الماركة بهدوم بالة قديمة، وجزمة مقشرة، ونضارة نظر رخيصة. في مراية حمام بنزينة على الطريق، الملياردير كان بيتبخر.. واللي بيبان مكانه هو عم حسين، راجل غلبان ومطحون، باين عليه إن الإيجار متأخر عليه، وإن الدنيا مدياله ضهرها من سنين.
الليلة دي، رجلي جابتني لمطعم البرنس الذهبي، الجوهرة اللي في تاج إمبراطوريتي.
عمري ما دخلته قبل كدة بصفتي الحقيقية.
كنت بقرا التقارير طبعاً؛ عصام فوزي مدير قطاع الضيافة كان بيقولي إن المكان فوق الممتاز. خدمة ملوكي، أرباح قياسية، وزبون طاير من الفرحة. بس أنا عارف إن الورق بيعرف يكذب بوش مكشوف، والأرقام ممكن تلمع وتحتها بلاوي.
زقيت الباب البرونز التقيل ودخلت.
ريحة الشوي والزبدة والبرفانات الغالية خبطت في وشي. الصالة كانت منورة بنور هادي، والناس الأكابر قاعدين يهمسوا ببريستيج. عند الاستقبال، كانت فيه بنت شقراء رفعت عينيها وهي مجهزة الابتسامة اللي متدربة عليها..
أول ما شافت قميصي الكاروهات الباهت، وشها قلب في ثانية.
في حجز يا فندم؟ سألت بلهجة ناشفة تقطع
الوش.
رديت بصوت واطي لأ.. تربيزة لفرد واحد بس.
شفايفها اتمطت بضيق المطعم محجوز كله.. ممكن أقعدك جنب باب المطبخ.
أوحش تربيزة في المكان.
قريب من الصهد، وصوت زعيق الشيفات، وخبط الأطباق.
ابتسمت لنفسي وقلت تمام.. زي الفل.
وقلت في سري ده فعلاً المكان اللي استاهله دلوقتي.
من مكاني المتطرف ده، بدأت أراقب المطعم زي العالم اللي بيفحص عينة ملوثة. الجرسونات كانوا بيتحركوا بشياكة، بس معاملتهم كانت بتتغير حسب الماركة اللي لابسها الزبون. الضحكة بتطلع أسهل للي شكله دفع، والاهتمام بيزيد للي باين عليهم العز.
وفي نص الصالة، كان مدير المطعم، علاء، بيتحرك ببدلة ضيقة شوية، يضحك في وش الزبائن التقيلة، ويلف الناحية التانية يدي أوامر بالزعيق للجرسونات اللي باين في عينيهم الرعب.
كل حاجة ماشية زي الساعة.. كل حاجة بتجيب فلوس.. بس كل حاجة كانت ميتة.
لحد ما شفتها.
بنت في العشرينات، شعرها ملموم ديل حصان، وتحت عينيها سواد من كتر السهر والتعب. اسمها على الكارت مريم. لبسها كان زي الفل، بس كعب جزمتها كان
متآكل وبايظ.
قربت من تربيزتي بنفس الاحترام اللي بتديه لأي حد تاني.
مساء الخير يا فندم، قالت بصوت تعبان بس واثق. تحب تشرب حاجة في الأول؟
قصدت أطلب أرخص حاجة في المنيو.
ولا الهوا.. مريم مظهرش على وشها أي تعبير تقليل مني.
تحت أمرك، قالت بهدوء، وراحت جابت الطلب.
لما رجعت، رفعت عيني فيها وطلبت أغلى حاجة في المطعم.
عايز ال إمبايور كات.. قطعة ال 1200 جرام.. وعليها إضافات الترافل.
إيدها اللي بتكتب وقفت لحظة.
وهو كملت وعايز أعتى نوع عصير معتق عندكم.
هنا مريم متمالكتش نفسها.
لأول مرة بصت على كم قميصي المنسل، وبعدين بصت في عيني. مكنتش نظرة قرف، ولا حتى شك.. كانت نظرة خوف عليه.
كأنها بتحاول تفهم هو الراجل الغلبان ده عارف هو بيعمل إيه؟ عارف هيدفع كام في الآخر؟
وفي اللحظة دي، عرفت إن مريم هي أول وش حقيقي أشوفه طول الليل.
مريم سابتني ومشيت وهي بتبص وراها بقلق، وأنا فضلت قاعد أراقب المسرحية الهزلية اللي بتحصل في مطعمي. علاء المدير كان بيمسح جوخ لراجل أعمال قاعد بعيد، وفي نفس الوقت بيدي
نظرات نار لمريم كل ما تعدي من جنبه، وكأنه بيحذرها

1 2الصفحة التالية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى