قصص قصيرة

الخروج من العتمه

للمخزن، مكانه كان في طرف البلد. فتحت القفل بالمفتاح اللي كان ناعم من كتر ما أبويا كان بيمسكه وهو بيخطط.
رفعت الباب الصاج.. والعالم اللي أبويا خباه ظهر قدامي.
كراتين مرصوصة بدقة، ومكتوب عليها صور، شغل، ورق قانوني، حسابات البنك.
وفي النص كان فيه مكتبة حديد صغيرة مقفولة بقفل، وفوق كرتونة منهم كان فيه ظرف صغير مكتوب عليه كلمة واحدة الأول.
فتحته، لقيت فلاشة وعليها نوتة اتفرج قبل ما تقرأ.
شغلت الفلاشة على موبايلي القديم. فيديو واحد اسمه إيلي الحقيقة.
وش أبويا ظهر على الشاشة. كان باين عليه التعب والوش الشاحب، بس عينيه كانت قوية.
إيلي.. لو بتشوف ده، يبقى أنت خرجت بالسلامة. أنا فخور بيك.
الجملة دي كانت هتكسرني.
كمل بصوت حازم اسمعني كويس، اللي هقوله هيوجعك، بس ده الوجع اللي هيخليك تفهم كل حاجة. ليلة ما اتمبض عليك، أنت معملتش اللي اتهموك بيه.
نَفَسي ضاق وأنا بسمعه بيقول أنا في الأول صدقت البوليس والورق، وصدقت ليندا لما كانت بتقولي حاجات عنك خلتني أصدق.. بس بعدين لقيت فواتير ناقصة، وحسابات بنك متغيرة، ولقيت اعتراف ممضي.. من ابن ليندا.
إيدي سقعت.. ابن ليندا؟ تريفور؟
أبويا عينيه لمعت بالدموع هو اللي عملها يا إيلي. سرق الفلوس وحركها في حسابات الشغل، ولما بدأ التفتيش، كان محتاج كبش فدا.. وليندا ساعدته.
حسيت الهواهرب من صدري.
أنا آسف.. مخدتش بالي غير لما الفاس وقعت في الراس وأنت بقيت جوه. حاولت أصلح اللي حصل في صمت، جمعت كل الأوراق وخبيتها هنا. مواجهتهمش لأني كنت بموت يا إيلي، ولو كنت بدأت حرب في بيتي كنت هموت لوحدي وسط ناس بتكرهني.. فعملت اللي قدرت عليه. سبتلك الحقيقة، وسبتلك الاختيار. بس لو رحت لليندا من غير ما تأمن الورق ده، مش بس هتخسر حقك.. أنت ممكن تخسر حياتك.
اللي كان في الكراتين
قضيت ساعات في المخزن، بفتح الكراتين وكأني بحفر في تاريخ حياتي اللي اتسرق.
لقيت حسابات الشغل اللي بتوضح الفلوس اللي خرجت، عقود أملاك عليها إمضاءات مزورة باسم أبويا، تقارير طبية بتقول إن أبويا كان بياخد مهدئات قوية في الأيام اللي اتوقع فيها على تنازلات معينة.
والأهم من ده كله.. دوسيه مكتوب عليه اعتراف.
جوه ورقة بخط إيد تريفور، ابن ليندا الكبير، بيعترف إنه لبّسني القضية عشان ميقدرش يسيب الشغل يضيع وكان محتاج حد يشيل الشيلة.
مبقتش غضبان، بقيت فاضي من جوه. كأن اللي حصل ده كان تأكيد لظن حاولت أهرب منه سنين.. إني كنت القربان اللي قدموه عشان يعيشوا هما في راحة.
في آخر الدوسيه كانت فيه كلمة من أبويا بخط عريض ده اللي سرقوه منك.
الخطوة الأولى القانون
في القصص، البطل بيروح يكسر البيت على اللي فيه. بس في الحقيقة، ده بيوديك ورا الشمس. أبويا كان عارف كده، عشان كده مرحتش لليندا.
رحت لمكتب مساعدة قانونية.
دخلت بالمخزن كله والفلاشة وأنا هادي جداً. قابلت محامية اسمها ماريسول، ست باين على وشها إنها شافت ظلم كتير وما بتبطلش عفرة.
حكيت لها كل حاجة، وهي بصت لي وقالت بتركيز إيلي.. ده مش مجرد غلط، دي مؤامرة منظمة.
قلت لها هنقدر نصلحها؟
قالت لي هنحاول، بس استعد، عشان لما نبدأ، هيحاربوا بكل قوتهم.
البيت اللي مش بتاعهم
خلال أسبوعين، بدأت الإجراءات القانونية. والباب اللي ليندا قفلته في وشي مكنش النهاية، ده كان البداية.
طلع قرار بتجميد أرصدة شركة أبويا، وقرار تاني بفرض قيود على البيت.
ليندا كلمتني لأول مرة، وصوتها كان ناعم زيادة عن اللزوم إيلي.. يا حبيبي إيه اللي بتعمله ده؟ المحامين بيكلمونا ليه؟
قلت لها بمنتهى الهدوء ده بيت بابا.
سكتت لحظة، وبعدين صوتها اتغير أنت مالكش حق
قاطعتها ليا كل الحق، وأنتي عارفة ليه.
بدأت تعيط أنا خسرت أبوك، تعمل فيا كده؟
قلت لها بصوت واطي أنا كمان خسرته.. الفرق إنك كنتي جنبه وهو بيموت، واستغلفتي الوقت ده عشان تسرقيه.
شهقت، وقالت بغل هتندم. وقفت السكة.
النهاية الحقيقة بتظهر
بعد سنة من خروجي، القضية وصلت للنهاية. تريفور انهار تحت الضغط والتحقيقات، وحاول يقول إن أمه هي اللي أجبرته، وبعدين قال إنه مش فاكر. بس الورق مبيكدبش.
ليندا كانت قاعدة في المحكمة وشها أصفر وإيدها بتترعش.
والفيديو بتاع أبويا كان الشهادة اللي مقدرش حد ينكرها.. راجل بيموت، بيتكلم بوضوح، وبيسمي الأمور بمسمياتها.
القضية اتفتحت من جديد، واتشال اسمي من السجلات الإجرامية. اليوم اللي رديت فيه اعتباري، مكنتش فرحان، كنت حزين على سنين العمر اللي ضاعت، وعن الحرب اللي أبويا عاشها لوحده وهو بيموت.
زرت القبر الحقيقي بتاع أبويا.. مكنش فيه شاهد قبر فخم، كان مجرد نيلة خضرا وشجرة بلوط قديمة وهدوء يريح الأعصاب. هارولد التربي كان واقف بعيد.
سجدت وحطيت إيدي على الأرض أنا آسف إني مكنتش جنبك.
الهوا حرك ورق الشجر، وكأنه بيرد عليا.
لقيت الحقيقة يا بابا.. لقيت اللي أنت سبتهولي.
مأخدتش البيت.. بعته. مكنش ينفع أعيش في مكان فيه ريحة الوجع ده. وبفلوس شركة أبويا اللي رجعت لي، فتحت شركة جديدة باسم كارتر للترميمات. مش عشان أصلح الماضي، بس عشان أبني مستقبل صادق.
وعملت منحة صغيرة باسم أبويا لمساعدة الناس اللي اتظلموا في قضايا زيي.
لأني اتعلمت إن فيه ناس مش بس بيسرقوا فلوسك، دول بيسرقوا عمرك وثقتك في الناس. والانتصار الحقيقي مش إنك تشوفهم بيقعوا، الانتصار إنك تعلى وتنجح من غير ما تبقى زيهم.
دلوقتي، الحقيقة مش مدفونة في مدافن.. الحقيقة عايشة في كل يوم بصحى فيه وأنا حر، وفي كل مرة بكتب فيها اسمي من غير كسوف.
دي الورثة اللي محدش يقدر يسرقها.
تمت.

الصفحة السابقة 1 2

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى