
ثلاثة أشهر في حمّام المدرسة… بينما الجميع يظنّه طالبًا عاديًا
هذه الليلة، لا نكرّم فقط أصحاب أعلى الدرجات، بل نكرّم أعلى درجات الصمود أعلى أشكال القوة التي لا تُقاس بالأرقام.
تبادل الحضور نظراتٍ متسائلة، قبل أن يُكمل
قبل أسبوع واحد فقط، اكتشف حارس الليل لدينا أمرًا لم نكن نتخيله وجد أحد طلابنا داخل الحمّام.
لم يكن يخرّب، ولم يكن يعبث بل كان ينام هناك، لأنه لم يعد لديه مكان يأويه، بعد أن التهمت الڼار منزله البسيط، وخطڤ القدر والديه منه في ليلة واحدة.
في تلك اللحظة، سقط الصمت على القاعة كحجرٍ ثقيل.
توقفت الهمسات.
اختفت الابتسامات.
طوال ثلاثة أشهر، كان حوض الغسيل هو حوض استحمامه.
وكانت البلاطات هي سريره.
وكل اختبارٍ نجح فيه بشرف، كان يحلّه تحت ضوء مصباحٍ خاڤت في الممر.
تابع المدير، وقد بدأ صوته يرتجف من شدة التأثر، كأن الكلمات نفسها تثقل على صدره
سليم حسن الطالب الأول على دفعته. تعال إلى هنا يا بني.
في تلك اللحظة، بدا الزمن وكأنه تباطأ.
حين بدأ سليم يسير في منتصف الممر، لم يجرؤ أحد على الكلام.
الصمت لم يكن عاديًا بل كان اعترافًا متأخرًا.
زملاؤه الذين كانوا يسخرون منه يومًا، وينادونه برائحة مسحوق الغسيل، خفضوا رؤوسهم خجلًا، كأنهم يرون أنفسهم لأول مرة على حقيقتهم.
أما أولياء الأمور، الذين لم يعرفوا شيئًا عن معاناته، فقد بدأوا يمسحون دموعهم بمناشف صغيرة، وقد تحوّلت نظراتهم من فخرٍ بأبنائهم إلى احترامٍ عميق لهذا الفتى الذي صمد وحده.
خطوة تليها خطوة.
وكان قلبه يضرب في صدره بقوة، ليس خوفًا، بل بثقل كل ما مرّ به.
وعندما صعد إلى المنصة، لم تكن الميدالية أول ما بحثت عنه عيناه.
بل بحث عن الفراغ.
عن مقعدين لم يحضر أحد ليجلس عليهما.
عن غيابٍ أكبر من أي إنجاز.
وقف هناك، للحظة، كأنه يحاول أن يتماسك.
ثم أمسك بالميكروفون، وبدأ يتحدث، وصوته يرتعش، ودموعه تنساب على وجنتيه دون أن يحاول إخفاءها
أنا لم أرد أبدًا أن تشفقوا عليّ.
توقّف قليلًا، يبتلع غصته، ثم أكمل بصوتٍ أصدق من أي كلمات مزخرفة
لقد نمتُ في الحمّام لأنني لم أُرد أن أتوقف عن الدراسة.
ذلك الحمّام لم يكن مجرد مكانٍ قاسٍ.
بل كان معلمي.
نظر للحضور، وعيناه تلمعان بشيءٍ يشبه النور رغم كل شيء
هناك تعلّمت أنه مهما كانت البيئة من حولك قڈرة، أو مظلمة، أو قاسېة
يمكنك أن تخرج منها نظيفًا بحلمك.
وقف الحضور بأكمله دفعةً واحدة.
واڼفجر تصفيقٌ مدوٍّ، اختلط بصوت البكاء، حتى تردّد صداه في أرجاء المدرسة كلها.
لم يكن مجرد تصفيق بل كان اعتذارًا، واعترافًا، وانتصارًا في آنٍ واحد.
الطفل الذي اختبأ ثلاثة أشهر في الظلام
أحاطه الضوء أخيرًا.
لم يعد ذلك الفتى غير المرئي، ولا الظل الذي يمرّ في الممرات دون أن يلتفت إليه أحد.
بل صار قصةً تُروى وصوتًا لا يمكن تجاهله.
بعد انتهاء الحفل، لم يعد سليم إلى الحمّام.
لم يعد إلى ذلك الركن البارد، ولا إلى البلاطات التي حفظت شكل جسده، ولا إلى المصباح الخاڤت
الذي شهد على سهره وصموده.
هذه المرة كان لديه مكانٌ آخر يذهب إليه.
عرضت عليه إحدى جمعيات الخريجين منحةً دراسية كاملة، مع سكنٍ يضمن له بدايةً جديدة، حياةً لا يضطر فيها للاختباء أو التظاهر بالقوة طوال الوقت.
ولأول مرة منذ وقتٍ طويل لم يكن وحده.
قصته لم تكن مجرد حكاية حزنٍ وانتهت.
بل أصبحت رسالة.
تذكرة صامتة بأن خلف كل وجهٍ هادئ في الممرات، قد يختبئ عالمٌ كامل من الصراعات، معركة لا يراها أحد، ولا يسمع صوتها إلا صاحبها.
هناك دائمًا من يقاتل في صمت.
من يبتسم وهو ينهار من الداخل.
ومن يمشي بيننا وهو يحمل ما لا يُحتمل.
وأحيانًا
أعظم الانتصارات لا تحدث على منصاتٍ كبيرة، ولا تحت أضواءٍ ساطعة.
بل تولد في أضيق الأماكن
في أبرد الزوايا
حيث لا يوجد شيء سوى إنسانٍ يرفض أن يستسلم.





