قصص قصيرة

دخلت شقتى

خدت نفس عميق… وقالت:
“قبل ما أسقط… وقبل اللي حصل… مامتك كانت بتيجيلي كتير… ودايمًا تقول نفس الكلام… إن الطفل ده مش مضمون يعيش… وإنه هيبقى حمل عليك…”
قطعت كلامها بعصبية: “دي مش حقيقة! الدكتور قال—”
هزت راسها بسرعة: “استنى… الموضوع مش كده بس…”
سكتت لحظة… وبعدين قالت بصوت مكسور:
“أنا عملت تحليل… من غير ما أقولك…”
قلبي دق بسرعة: “تحليل إيه؟”
“تحليل جيني… للدكتور كان شاك في حاجة.”
“وطلع إيه؟!”
دموعها زادت: “طلع إن فيه احتمال كبير الطفل يتولد بمشكلة في القلب… خطيرة.”
اتجمدت…
الكلام وقع عليا تقيل… بس استوعبته.
“طب ما كنتي تقولّي! أنا جنبك!”
هزت راسها وهي بتبكي: “كنت خايفة… وخايفة أكتر لما مامتك عرفت…”
“عرفت إزاي؟!”
بصتلي بخجل وكسرة: “فتحت درج الأوضة… وشافت الورق… ومن ساعتها وهي بتضغط عليا… تقولي خلصي منه… أو على الأقل… متتعبيش نفسك عشانه.”
إيدي شدت على السرير…
الغضب رجع أقوى من الأول.
“وده يبرر تضربك؟! وتسيبك تموتي؟!”
صرخت وهي منهارة: “أنا مش ببرر! أنا بس بقولك الحقيقة!”
سكتنا…
الصمت كان تقيل…
بس في وسطه… صوت صغير قطع كل حاجة.
ابني… بيعيط.
بصيتله… صغير… ضعيف… بس بيقاوم.
شيلته بهدوء… وحطيته بيني وبينها.
“ده…مش مشكلة… ده ابننا.”
ليلى بصتله وابتدت تهدى شوية.
في نفس اللحظة…
موبايلها رن.
رقم غريب.
بصينا لبعض…
رديت أنا.
صوت ست… هادي… بس فيه برود غريب:
“أدهم؟ أنا اللي بعتلك الرسالة.”
“مين؟!”
“واحدة… كانت شاهدة على كل حاجة… من الأول.”
“تقصدّي إيه؟!”
ضحكت ضحكة خفيفة: “تقصد إن اللي حصل لليلى… ما كانش بس بسبب أمك.”
قلبي وقف لحظة…
“يبقى بسبب مين؟!”
سكتت ثانية… وبعدين قالت:
“اسأل مراتك… عن يوم ما راحت للدكتور لوحدها… وعن الورقة اللي مضتش عليها.”
بصيت لليلى…
وشها اتحول… لخوف حقيقي المرة دي.
وقبل ما أنطق…
المكالمة اتقفلت.
قربت منها ببطء…
“ليلى… هي تقصد إيه؟”
دموعها نزلت تاني… بس المرة دي كانت مختلفة…
خوف… وذنب…
همست:
“أنا… مضيت على حاجة… كنت فاكرة إنها لمصلحتنا…”
قلبي بدأ يدق بجنون:
“مضيتِ على إيه؟!”
رفعت عينيها ليا… وقالت الجملة اللي قلبت كل حاجة:
“ورقة موافقة… على إجراء… لو حصل خطر على حياتي أو حياة الطفل…”
وقفت…
مستني تكمل…
بس اللي جاي…
كان أسوأ بكتير:
“…الإجراء ده كان ممكن يخلّيهم يختاروا مين يعيش… ومين يموت.”
الهواء وقف…
والحقيقة بدأت تظهر…
بس السؤال اللي كان بيقتلني:
مين اللي كان عايز يحدد المصير ده… وليه؟بصيت لها وأنا مش قادر أستوعب…
“يعني إيه يختاروا مين يعيش؟! إزاي توافقِ على حاجة زي دي من غير ما تقوليلي؟!”
ليلى كانت بتبكي بصمت… وبتحضن ابننا كأنه آخر حاجة فاضلالها في الدنيا.
“أنا كنت لوحدي يا أدهم… كنت خايفة أموت… أو أخسركم الاتنين… والدكتور قال دي إجراءات عادية في الحالات الخطرة… بس…”
“بس إيه؟!”
غمضت عينيها وقالت: “بس مامتك كانت هناك.”
اتجمدت.
“إزاي؟!”
“روحت ورايا… ودخلت معايا… وفضلت تضغط عليّ… تقول للدكتور إن أهم حاجة أنا… وإن الطفل لو فيه خطر… يتساب.”
إيدي شدت على الكرسي لحد ما حسيت إنه هيتكسر.
“يعني… كانت عايزة تموت ابني بإمضاك؟!”
هزت راسها وهي منهارة: “أنا مكنتش فاهمة… كنت مرعوبة… ومضيت وخلاص…”
سكت لحظة…
وبعدين خدت نفس طويل…
وبصيت لابني… الصغير اللي بين إيدينا…
كان نايم بهدوء… كأنه مش عارف إنه كان على حافة قرار ممكن ينهي حياته قبل ما تبدأ.
قربت منه… ولمست إيده الصغيرة…
وقتها… حسيت بحاجة جوايا بتتغير.
مش غضب… ولا خوف…
حسم.
قمت وقفت…
“ليلى… بصيلي.”
بصتلي بقلق.
“من النهارده… مفيش حد… أياً كان مين… ليه سلطة علينا… ولا على ابننا.”
دموعها نزلت بهدوء: “حتى… مامتك؟”
بصيت في عينيها بثبات: “خصوصًا مامتك.”
تاني يوم…
كنت واقف في المستشفى… قدام الإدارة.
الملف الطبي قدامي…
والورقة اللي ليلى مضت عليها.
الدكتور حاول يشرح: “دي إجراءات قانونية لحماية الفريق الطبي—”
قاطعته بهدوء بس بحزم: “أنا فاهم… بس وجود طرف تالت بيضغط على مريضة في الحالة دي… ده مش قانوني.”
بصلي بتوتر…
“إحنا هنفتح تحقيق داخلي.”
هزيت راسي: “وأنا كمان… هكمل قانوني.”
بعدها…
القضية خدت وقت…
وأمي… حاولت تتواصل كتير…
تبكي… تعتذر… تقول إنها كانت خايفة عليّا… وإنها شايفة إن الطفل ممكن يتعبنا.
بس الحقيقة…
إن الخوف عمره ما يكون مبرر للأذى.
وفي يوم…
وأنا قاعد في البيت الجديد…
ليلى في المطبخ بتحاول تضحك… وابني في السرير جنبي…
بيلعب بإيدي الصغيرة…
بصيت له… وابتسمت.
الدكتور قال إن عنده مشكلة بسيطة في القلب…
بس هيتعالج… وهيبقى كويس.
مش نهاية العالم…
دي بداية حكاية.
ليلى قربت مني وقالت بهدوء: “خايف؟”
بصيت لها… وبعدين لابني…
وقلت: “كنت خايف… بس دلوقتي… أنا جاهز أحارب الدنيا كلها عشانكم.”
عدت شهور…
والبيت بقى مليان صوت ضحك…
وتعب… وسهر… وحب.
أما أمي…
فبقت مجرد ذكرى…
مؤلمة… بس علمتني أهم درس في حياتي:
إن العيلة مش بالدم… العيلة باللي بيحميك… مش باللي يأذيك.
وفي ليلة هادية…
وأنا شايل ابني… وليلى نايمة جنبي…
همست له:
“أنت جيت الدنيا رغم كل حاجة…
وده معناه إنك أقوى مما تتخيل.”
ابتسم وهو نايم…
وكأنّه فاهم.

الصفحة السابقة 1 2

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى