
أطعمتُ مشرّدًا 90 يومًا… وفي اليوم الـ91 أنقذني من انفجار شقتي وكشف السرّ الذي أخفاه والدي لسنوات!
اسمي كلارا ومنذ ثلاثة أعوام وأنا أعيش كأنني شبح في الحي الطبي للقديس يهوذا في المكسيك. بوصفي فنية مختبر في نوبة العمل الليلية تمضي حياتي تحت أضواء فلورية مرتجفة أعالج عينات الدم وأحلل البيانات بينما تغرق المدينة في النوم.
في كل ليلة عند الثالثة والربع فجرا أخرج من باب الخدمة الخلفي وهناك أجده سيلاس.
كان جزءا من الزقاق كأنه قطعة أثاث مهملة. يلتف بمعطف أزرق داكن ممزق تتناثر في لحيته خصلات بيضاء وعيناه الرماديتان تلمعان بذكاء نافذ. كان الموظفون يمرون بجانبه كما لو كان كرتونا ملقى على الأرض أما أنا فكنت أراه. طوال ثلاثة أشهر كنت أحمل له شطيرة ديك رومي ساخنة وترمسا من القهوة السوداء. لم نتبادل الحديث كثيرا. كان يومئ برأسه يحدق في وجهي ويقول
شكرا يا كلارا. أنت الوحيدة التي ترى الهواء.
كنت أظنه روحا شاعرة ضلت طريقها في الشارع. كنت مخطئة.
في الخميس الماضي استيقظت المدينة على ضباب كثيف خانق. حين خرجت إلى الزقاق لم يكن سيلاس جالسا على صندوقه المعتاد بل كان واقفا.
كانت هيئته مختلفة منتصبة تكاد تكون عسكرية. أدخلت يدي في الحقيبة لأخرج شطيرته لكنه لم يأخذها. بدلا من ذلك أمسك بمعصمي. لم يكن قبضه عنيفا لكن قوته كانت كأنها من حديد.
كلارا همس بصوت عاجل جمد العظام لقد أطعمتني تسعين يوما. عاملتني كإنسان حين كان العالم يعاملني كقمامة. الليلة أنا من يدفع الحساب.
حاولت أن أحرر يدي وقلبي يطرق صدري بعنف.
سيلاس أنت تخيفني.
أفلت معصمي وقبل أن أتمكن من طرح سؤال واحد تلاشى بين الظلال.
ثم همس بصوت خافت وعيناه مثبتتان على شاحنة سوداء متوقفةعند الزاوية
لا تسلكي الاختصار عبر الحديقة. لا تعودي إلى شقتك. اركبي المترو شمالا. ابقي في مطعم مفتوح طوال الليل. لا تخرجي حتى تشرق الشمس. غدا عودي إلى هنا وسأشرح لك كل شيء.
أفلت ذراعي
واختفى في العتمة قبل أن أستطيع أن أسأله شيئا.
لم أفهم شيئا.
لكن لو أنني تجاهلت تحذيره لما كنت حية لأروي ما حدث.
فعلت تماما ما قاله. أمضيت ست ساعات كاملة جالسة في مقصورة ضيقة داخل مطعم نيون بليت المفتوح أربعا وعشرين ساعة أحتضن فنجان قهوة برد منذ زمن وأحدق في الباب كلما دخل أحد أو خرج. كان عقلي يتأرجح بين السخرية من نفسي وبين شعور غامض بالخطر. قلت في داخلي ماذا أفعل هنا لماذا أستمع إلى رجل كنت أظنه مشردا لماذا أرتجف كلما مرت سيارة سوداء أمام الواجهة الزجاجية
لكن عند السابعة صباحا حين نظرت إلى هاتفي بلا وعي تجمد الدم في عروقي.
كان العنوان الرئيس في الأخبار المحلية واضحا صارخا لا يحتمل التأويل
انفجار ناجم عن تسرب غاز يدمر مجمع شقق في الحي الطبي.
لم أحتج إلى قراءة التفاصيل لأدرك. كان ذلك مبناي.
فتحت الخبر بيدين مرتجفتين. الصورة الأولى أظهرت كتلة من الركام والدخان ورجال إطفاء يتحركون وسط الحطام. قال التقرير إن السبب مرجل معطل. لكن الصورة الثانية كانت أوضح. شقتي الواقعة في الزاوية كانت مركز الانفجار. نافذتي شرفتي الصغيرة الستارة التي اخترتها بنفسي كلها تحولت إلى فراغ أسود.
كان ينبغي أن أكون في ذلك السرير.
كان ينبغي أن أتحول إلى رماد مجهول الهوية.
لو لم أركب المترو شمالا لو لم أجلس في ذلك المطعم حتى الفجر لما كنت الآن أتنفس.
نهضت من مكاني وكأن الأرض تدفعني. تركت القهوة تركت الفاتورة وركضت إلى الشارع. لم أشعر بالبرد ولا بالضجيج ولا حتى بالناس الذين كانوا يتجمعون حول الشاشات ليتابعوا الخبر. ركضت فقط.
حين وصلت إلى زقاق المستشفى كان قلبي يضرب صدري كطبول إنذار.
كان سيلاس بانتظاري.
لكنه لم يعد الرجل نفسه.
لم يكن يرتدي معطفه الأزرق الممزق. لم تكن لحيته منفوشة على نحو عشوائي. لم يكن جالسا على صندوقه الخشبي المعتاد. كان واقفا بثبات يرتدي سترة تكتيكية داكنة نظيفة محكمة الإغلاق يحمل جهازا لوحيا ويحيط به أربعة رجال ببدلات سوداء أنيقة ملامحهم صارمة حركاتهم مدروسة. لم يكن في المشهد أي أثر للفوضى أو العشوائية التي كنت أراها كل ليلة.
توقفت أمامه ألهث.
من أنت خرج السؤال من صدري كشهقة.
تقدم خطوة واحدة إلى الأمام.
لم يعد في صوته ذلك الهدوء الغامض الذي اعتدته. كان صوته الآن ثابتا محسوبا.
اسمي سيلاس فانس. لست مشردا يا كلارا. أنا مستشار أمني خاص. قبل ثلاثة أشهر استأجرني قيم تركة والدك.
شعرت بأن الأرض تميد بي مرة أخرى.
والدي توفي في حادث قبل عشرة أعوام قلت وكأنني أتمسك بآخر يقين أعرفه.
هز رأسه ببطء.
والدك لم يمت في حادث. كان مبلغا عن مخالفات داخل شركة إيثلغارد للأدوية وهي الشركة المالكة لهذا المستشفى. اكتشف أنهم يزورون بيانات التجارب السريرية. كانت هناك أدوية تطرح في الأسواق دون نتائج حقيقية تقارير معدلة مرضى يستخدمون كأرقام. حين بدأ يجمع الأدلة علم أنهم سيراقبونه. أخفى القرص الرئيس الذي يحتوي على النسخة الأصلية من البيانات وكان يعلم أنهم سيبحثون عنك يوما ما.
حدق في وجهي وأضاف
كان يعلم أنهم سيأتون إليك حين تبلغين الثلاثين.
تسمرت في مكاني.
بالأمس كان عيد ميلادي الثلاثين.
كل رسائل التهنئة الكعكة الصغيرة التي اشتريتها لنفسي المكالمة القصيرة مع خالتي كل ذلك بدا فجأة بلا معنى.
الانفجار لم يكن تسرب غاز تابع بصوت منخفض بل كان فريق تنظيف. عملية صامتة محسوبة. ظنوا أنك تملكين القرص. لم يدركوا أنك تحملينه على مرأى منهم منذ ثلاثة أشهر.
ماذا تقصد همست وشعور بارد يتسلل إلى أطرافي.
تقدم نحو سلة المهملات المعدنية في الزقاق حيث كنت قد رميت كيس عشاء الأمس. أخرج منها الترمس الذي كنت أملأه له كل ليلة. الترمس الفضي القديم الذي وجدته بين أغراضي حين انتقلت إلى شقتي الجديدة. لم أكن أعرف أنه كان ضمن أشياء طفولتي.
فك سيلاس قاعا زائفا لم أكن أعلم بوجوده.
داخل الترمس ظهر قرص فضي صغير أنيق يحمل نقشا دقيقا.
هذا هو قال بهدوء القرص المشفر. والدك أخفاه بين أغراض طفولتك. حين انتقلت إلى تلك الشقة حملته معك دون أن تعي. بدأت تستخدمين هذا الترمس يوميا إلى العمل إلى البيت. كنت تمرين به أمام الكاميرات أمام الحراس أمام كل من يراقبك دون أن يشك أحد.
شعرت بدوار خفيف.
كنت هنا تسعين يوما أضاف لا لأنني كنت جائعا بل لأتأكد من أن فرق التنظيف لن تصل إليك قبل أن أحصل على مفاتيح فك التشفير. كانوا يراقبون المبنى. يراقبون تحركاتك. ينتظرون اللحظة المناسبة.
إذن ابتلعت ريقي كان كل شيء تمثيلا الشاي الشطائر الكلمات هل كنت تؤدي عملك فقط
نظر إلى القرص ثم إلي.
وللمرة الأولى رأيت في عينيه شيئا لا يشبه المهمة ولا الحسابات.
انتهت المهمة قبل أسبوع يا كلارا. كانت لدي أدلة كافية لإسقاطهم. كان





