
جدك مكنش الراجل اللي انتي فكراه.
مكنتش أتخيل أبدا إن الإنسان اللي رباني.. اللي أنقذني من الضياع.. كان مخبي سر كبير وقوي لدرجة إنه قلب حياتي كلها رأسا على عقب.
كان عندي 6 سنين لما أبويا وأمي ماتوا.
بعدها البيت اللي كان مليان دفا اتحول لفوضى صامتة.. الكبار بيتوشوشوا في الأركان فناجين القهوة بتبرد ومحدش بيشربها والكلام بيقف فجأة أول ما أدخل الأوضة. كنت بسمع كلام مش فهماه وقتها بس كلمة واحدة رشقت في قلبي زي السکينة
ملجأ.
ما عيطتش. ولا صړخت.
كنت خاېفة لدرجة تمنعني أعمل أي صوت.
كنت متأكدة إن الكلمة دي معناها إني هختفي.. هترمي في مكان غريب وكل اللي حبوني في يوم هينسوني.
وفي اللحظة دي دخل جدي.
كان عنده 65 سنة الشقا وتعب السنين محفورين على وشه ضهره محڼي شوية وركبه بتوجعه. بص بصة واحدة للأوضة اللي مليانة ناس بتتناقش في مصيري ومشي لحد نص الصالة وخبط بإيده الجامدة على الترابيزة.
قال بلهجة مفيهاش تفاهم البنت دي هتيجيمعايا.. والكلام انتهى.
ومن اللحظة دي بقى هو دنيتي كلها.
أعطاني أوضته الكبيرة الواسعة ونقل هو في الأوضة الصغيرة من غير ما يفكر لحظة. اتعلم إزاي يسرح لي شعري ويعملي ضفاير من فيديوهات اليوتيوب كان بيسهر بليل يعيد الفيديو مرة واتنين لحد ما إيده اتعودت. كان بيحضر لي اللانش بوكس كل يوم وبيحضر كل حفلات المدرسة وكان بيحشر نفسه في الكراسي الصغيرة بتاعة الأطفال في اجتماعات أولياء الأمور وكأنه ده مكانه الطبيعي.
بالنسبة لي هو مكنش بس جدي.. كان بطلي.
لما تميت عشر سنين قولتله وأنا كلي حماس
لما أكبر يا جدي عايزة أساعد الأطفال زي ما أنت ساعدتني كده.
حضڼي جامد أوي لدرجة إني مكنتش عارفة آخد نفسي.
وقالي تقدري تكوني أي حاجة تحلمي بيها.. أي حاجة في الدنيا.
بس الحب مكنش معناه إن معانا فلوس.
مكناش حيلتنا حاجة.
مفيش مصايف مفيش أكل من مطاعم مفيش هدايا مفاجأة من غير مناسبة.
وكل ما كنت أكبر كنت بلاحظ نفس الرد بيتكرر.
يا جدي ينفع أجيب طقم جديد
كل أصحابي في المدرسة معاهم موبايلات أحدث مني.
كان رده دايما واحد بابتسامة هادية وحزينة
معلش يا بنتي.. منقدرش على المصاريف دي دلوقتي.
كنت بكرة الجملة دي.
كرهتها من كل قلبي.
کرهت إني ألبس هدوم مستعملة والكل بيتباهى بالماركات.
کرهت موبايلي القديم اللي شاشته مشروخة.
والأسوأ من كل ده.. کرهت نفسي إني زعلانة من الراجل اللي حرمني من حاجات كتير رغم إنه عطاني كل اللي يقدر عليه.
كنت بډفن راسي في المخدة بليل وأعيط من القهر كنت بحس بالذنب بس مش قادرة أمنع نفسي من المقارنة. كان بيقولي إني أقدر أكون أي حاجة.. بس كلامه كان عامل زي وعد كداب وعد مفيش إمكانيات تحققه.
لحد ما جدي تعب.
في لحظة كل الڠضب اللي جوايا اختفى وحل مكانه ړعب.. ړعب حقيقي وجعلي بطني.
الراجل اللي كان شايل همي وهم الدنيا
على كتافه مبقاش قادر يطلع السلم من غير ما يقف ينهج. طبعا مكناش نقدر نجيب ممرضة.. فبقيت أنا الممرضة بتاعته.
كان بيحاول يداري تعبه ويبتسم
أنا زي الفل.. ده شوية برد.. ركزي أنتي بس في امتحاناتك.
بصيت في عينه وعرفت إنه بيكدب.
مسكت إيده وقولتله بصوت واطي عشان خاطري.. سيبني أخدمك.
بقيت مقسمة وقتي بين مذاكرة آخر سنة في الثانوية العامة وبين إني أسنده للحمام وأكله الشوربة بالمعلقة وأرص له جبل الأدوية اللي بياخده.
كل مرة كنت أبص لوشه وألاقيه خاسس ومصفر أكتر من اليوم اللي قبله كان قلبي بيتقبض. يا ترى هنعمل إيه
وفي ليلة وأنا بساعده يرجع السرير قال حاجة قلقتني.
كان جسمه بيترعش من المجهود البسيط ولما ريح ضهره بص لي بتركيز غريب.. نظرة أول مرة أشوفها.
ليلى.. لازم أقولك على حاجة ضروري.
قولتله بعدين يا جدي.. أنت تعبان ولازم ترتاح دلوقتي.
بس بعدين دي مجتش أبدا.
ماټ جدي وهو نايم.. وفي اللحظة دي حياتي وقفت.
كنت لسه مخلصة امتحانات وبدل ما أفرح بالتخرج لقيت نفسي غرقانة في دوامة سوداء.
بطلت أكل.
بطلت





