قصص قصيرة

ابنها رفع حله الفول

يا أمي.. في البرد اللي في بيتك ده، إنتي بجد قادرة تعيشي بال 100 ألف جنيه اللي شيرين بتبعتهم لك كل شهر؟ ده المفروض يعيشوكي ملكة يغطوا أكلك، ودفاية، وحبذا لو جبتي واحدة تساعدك في البيت كمان!

نادية حست بوش في ودنها غطى على صوت غليان الفول. عينيها غيمت. المعلقة الخشب وقعت من إيدها على التربيزة بصوت قوي.

طارق كان لسه باصص لها، مش فاهم إنه لسه كاشف حاجة بشعة. شيرين رفعت عينيها ببطء من الموبايل. ملامحها اتغيرت حاجة بسيطة. بس كانت كفاية. كفاية عشان نادية تفهم.

فلوس إيه يا ابني؟ نادية سألت، والكلمة طلعت بالعافية.

طارق كشّر. الفلوس اللي بنبعتها يا أمي، قال بصوت مذهول. كل شهر. لمصاريفك. شيرين بتبعت لك التحويلات دي بقالها سنة وزيادة.

نادية هزت راسها ببطء. هزت راسها كأنها بتنكر حاجة أكبر بكتير من مجرد فلوس.

لأ يا ابني، همست. مفيش مليم جالي. لولا الشيخ عبد الحميد والجمعية الشرعية اللي بيبعتولي شنطة رمضان والعيد.. مكنتش عرفت آكل إيه.

السكوت اللي جه بعد الكلمة دي كان من النوع اللي بيغير العائلات للأبد. شيرين كانت واقفة في مدخل المطبخ، وشها بقى أبيض، والنظارة في إيدها.

طارق لف وبص لها. ونادية شافت وشه وهو بيتغير قدام عينيها. لخبطة.. شك.. وبعدين حاجة سودة أوي ظهرت في عينيه.

شيرين، قال بهدوء مرعب، فلوس أمي فين؟

ضحكت ضحكة صفراء كدابة. يا طارق، بلاش دراما أرجوك. طنط نادية أكيد مابقتش تركز وتايهة.

سألتك الفلوس فين؟

شيرين ربعت إيدها أنا عملت التحويلات اللي قلت لي عليها. لو مامتك مابتعرفش تدير الفلوس اللي بتجيلها، دي مش مشكلتي.

نادية رجعت خطوة لورا. كل كلمة من مرات ابنها كانت كأنها حجر بيتحدف في وشها.

طارق بص لأمه. وبعدين بص لمراته. ولثانية واحدة، شافت الشك في عينيه تجاهها هي أمه.

الشك ده وجعها أكتر من الجوع. أكتر من البرد. أكتر من الإهانة. حست إن حياتها كلها بقت في قفص الاتهام.

يا أمي، طارق قال بحذر، كأنه مش متأكد إنتي متأكدة؟ يمكن غيرتي الحساب أو نسيتي..

نسيتي. مقالش الكلمة التانية. بس الكلمة كانت واقفة معاهم في المطبخ. خرفتي. عجزتي. تهتي. مالكيش لازمة.

الشك ده هو اللي أدى لنادية قوة لا الغضب ولا الكسوف قدروا يدوهالها. من غير ما تعلي صوتها، لفت، ودخلت أوضتها، فتحت الدولاب القديم اللي شايلة فيه ورق جوزها الله يرحمه، وطلعت دفتر التوفيرالدفتر اللي الشيخ عبد الحميد ساعدها تفتحه عشان ينزل فيه معاش السادات الصغير.

رجعت المطبخ وحطت الدفتر على المفرش البلاستيك جنب حلة الفول.

افتحه، قالت بجمود.

طارق فتحه. فرّ في الورق.

مفيش أي حاجة تانية. الرصيد الأخير كان يا دوب يكفي زيت وزيت وفول لأسبوعين لو صرفت بالمللي.

نادية حطت إيدها العروق فيها بارزة فوق الدفتر. صوابعها كانت ناشفة من الروماتيزم، وشكلها خشن أوي جنب إيد ابنها الناعمة اللي مابتعرفش غير مسكة القلم والكي بورد

طارق بيفرّ في الورق تاني، المرة دي ببطء، كأن الأرقام ممكن تتكسف على دمها وتتغير من مكانها.. بس مفيش حاجة اتغيرت. المعاش الهزيل بتاع الحكومة موجود، تبرع صغير من الجمعية الشرعية موجود، وشوية أرقام حزينة لمساعدة في تمن الدوا موجودة.. لكن ال 100 ألف جنيه اللي بيقول إنه كان بيبعتهم كل شهر بقاله سنة؟ كأنهم حتة من ألف ليلة وليلة، ملهمش أي أثر.

كنتِ قاعدة بتبصي لوشه وهو بيتغير في كل ثانية.. الصدمة كانت الأول، بعدها عدم التصديق، وبعدها اللحظة اللي وجعتك بجد.. لمحة شك صغيرة شفتيها في عين ابنك، كأنه بيسأل نفسه لثانية واحدة هي أمي كبرت وخرفت ونسيت الفلوس؟. الكلمة دي وجعتك أكتر من وجع الجوع اللي شفتيه الشهور اللي فاتت.

شيرين قالت بسرعة وهي بتحاول تلم الدور أكيد غلطة بنك.. أو يمكن طنط فتحت حساب تاني ونسيت. يا طارق، ده اللي كنت بحاول أقولهولك، هي مابقتش مركزة الفترة دي، السن

برضه له أحكامه.

لفيتي وشك وبصيتي لها بتركيز.. مبصتيلهاش كأنها مرات ابنك، ولا الست الشيك اللي ريحة برفانها ملت البيت المتواضع ده وخنقت ريحة التقلية.. بصيتي لها بصفتها الست اللي سابتك تاكلي فول بدمعة تحت شباك بيخر مية، وهي بتمثل إنها شايلة همك وخايفة لحسن تبردي في الشتا.

قلتِ بهدوء وانكسار أنا صحيح فقيرة يا بنتي.. بس لسه عقلي في راسي ومخرفتش.

المكان كله سكت. طارق قفل دفتر التوفير بخبطة قوية، وبص لمراته بصه لأول مرة يكون فيها فهم. مكنتش نظرة جوز لمراته، كانت نظرة راجل اكتشف إن فيه حد بيمثل الحنية وهو بيسرق لقمة أمه من قدامها بقلم الكاتبه نرمين عادل همام

قال بصوت واطي ومرعب وريني التحويلات يا شيرين. شيرين محركتش شعرة إنت بتتكلم بجد؟ إنت هتعمل كدة هنا؟ قدام العيال؟

كأن العيال هما المشكلة.. كأن قلة الأصل مش هي الإهانة.. كأن أرضية المطبخ المكسرة وطبق الفول هما اللي كسفوها مش عملتها السودة. شفتي طارق وهو بيجز على سنانه، والشرر بيطير من عينه.

نادى على ابنه الكبير يا إبراهيم.. خد أخوك ياسين وادخلوا استنوني في الصالة. الواد الكبير وقف متردد، هو كبير كفاية إنه يفهم إن الكبار بيكدبوا لما بيبقوا هاديين زيادة عن اللزوم. ياسين الصغير كان ماسك عربية لعبة وبص لباباه ولأمه ولكِ، وهو مش فاهم حاجة. كنتِ هتطلبي من طارق يسيبهم، بس رجعتِ في كلامك.. لازم العيال يعرفوا الطمع شكله إيه قبل ما يتزوق ويلبس لبس شيك ويدخل حياتهم باسم الأهل.

أول ما العيال خرجوا، شيرين قلعت قناع الكنّة المطيعة اللي كانت لبساه سنين، وقالت بزهق ونفخة عملت اللي كان لازم يتعمل! إنت محسسني إني اشتريت يخت.. دي مصاريف البيت يا طارق.

طارق بصلها بذهول إنتي بتقولي إيه؟

رفعت راسها لفوق بتبجح، والوش الحقيقي ظهر.. مكنش فيه خوف، كان فيه عناد. وش الست اللي شايفة إنها صاحبة حق لدرجة إنها مابقتش شايفة بشاعة كلامها. قالت بحدة قلت إن أمك مش محتاجة كل الفلوس دي كل شهر! خليك صريح مع نفسك.. كانت هتصرفهم في إيه؟ هتجيب بيهم ملايات حرير

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى