قصص قصيرة

ابنها رفع حله الفول

ولا جبنة مستوردة؟ دي ست عايشة لوحدها في أوضتين وصالة ومابتخرجش من باب البيت. في حين إننا عندنا عيال، ومظاهر اجتماعية، وتبرعات لذكرى جواز أهلك، ورحلات المدرسة لغات، ونادي..

طارق قاطعها بصوت كأنه طلقة أبويا ميت يا شيرين. الكلمة نزلت عليها زي القلم. شيرين بربشت بعينيها وقالت إنت فاهم قصدي. قال لها لأ.. أنا شكلي مكنتش فاهم حاجة خالص.

كنتِ واقفة جنب البوتاجاز، ساندة بإيدك على الرخامة لأن الدنيا بدأت تلف بيكِ. دخان الفول كان طالع بينكم كأنه شاهد على كل اللي بيحصل. افتكرتِ الشهور اللي فاتت كنتِ بتقسمي الحباية نصين، وتنامي بالشراب والجاكت عشان توفري في فاتورة الكهرباء والغاز، وبتمثلي إن العيش الناشف بتاع الجامع مكفيكي.. وكنتِ بتقولي لنفسك طارق ابني مشغول بس قلبه أبيض.

أبيض.. الكلمة دي طلعت ضعيفة أوي دلوقتي.

طارق فتح الدفتر تاني، مش عشان يشوف، لكن عشان يمسك أعصابه لا ينفجر. سألها وهو باصص في الورق كام يا شيرين؟ سكتت.. والسكوت كان هو الاعتراف. كام يا شيرين؟ انطقي!

نفخت بملل معرفش.. شوية راحوا لحساب البيت، وشوية لمصاريف مدرسة العيال، وشوية لرحلة الجونة عشان مكافأة الشغل بتاعتك مكنتش نزلت، وكان شكلي وحش أوي قدام صحباتي وإحنا بننزل ليفيل الأوتيل..

طارق رفع راسه فجأة رحلة الجونة؟ حدفت إيدها في الهوا يا سيدي جرا إيه! إحنا مابنتكلمش في ملايين، دي قرشين محطوطين لواحدة مكانتش تعرف أصلاً إنهم موجودين!

حسيتِ ببرودة في قلبك اللحظة دي.. مش من قسوتها، إنتي عرفتي قسوتها من أول يوم دخلت فيه مطبخك وبصت لحياتك بقرف. البرودة كانت من نفسك.. لما افتكرتِ إنك كنتِ بتدافعي عنها سنين وتقولي يمكن تعبانة، يمكن بنات البندر طبعهم كدة، ماتظلميهاش يا نادية يا بنتي. لكن الحقيقة إن الأذى كان قاعد معاكِ على نفس الطبلية سنين وهو مستني اللحظة دي.

طارق قام من الكرسي فجأة لدرجة إنه عمل صوت مزعج على الأرض قومي.. هنمشي حالاً. شيرين ضحكت بذهول نعم؟ إحنا لسه واصلين! قلت هنمشي!

إنت مش هتهزقني قدام أمك عشان خاطر الورق الهبل ده..

زعق فيها بصوت سكت ساعة الحيطة إنتي سرقتي أمي! صوته كان بيترعش من الغل. سبتيها عايشة بالمنظر ده وإنتي بتقوليلي كل شهر إنها بتقولك كتر خيرك وتسلم إيدك يا طارق!

هنا نفسك انقطع.. رفعتِ راسك بصدمة قالتلك إيه؟ طارق مقدرش يبص في عينك من الخزي.. كتافه نزلت لتحت وبان عليه الهم كل شهر يا أمي.. كانت بتقولي إنها حولت لك الفلوس. كانت بتقول لي إنك بكيتي من الفرحة أول مرة، وإنك مش عاوزاني أشيل همك، وإنك حلفتيها ماتقوليش قدامي عشان مكنتيش عاوزاني أصرف مبالغ زي دي عليكي..

غمضتِ عينك. المطبخ اختفى من قدامك.. وافتكرتِ كل مكالمة تليفون في السنة اللي فاتت. كل إزيك يا ماما؟ سريعة، وكل رد منك ب الحمد لله يا ضنايا ماتشغلش بالك. كل لحظة كنتِ فاكرة فيها إن بعده عنك ده مشاغل الدنيا، ومكنتيش تعرفي إنه كدبة متفصلة بالمللي من الست اللي واقفة قدامك دلوقتي وبتبصلك بمنتهى البجاحة كأنك إنتي اللي غلطانة.

فتحتِ عينك، لقيتي شيرين بتبصلك بحقد وغل أهو ده اللي كنت خايفة منه، خلط الفلوس بالأهل.. بقيت أنا الشريره دلوقتي عشان مشيت أمور البيت بذكاء!

كنتِ خلاص هتضحكي.. ضحكة يأس. شيرين سرقت 100 ألف جنيه في الشهر من أم جوزها، ولسه شايفة نفسها ضحية ل مشاعرك المجروحة.

طارق لسه مخلصش كلامه.. ولسه المواجهة في أولها

طارق بصلها بنظرة غريبة، كأنها أول مرة يشوفها على حقيقتها، وقال بصوت خالي من أي مودة إنتي ممشيتيش الأمور بذكاء.. إنتي سرقتيها، نهبتي أمي يا شيرين بقلم الكاتبه نرمين عادل همام

الكلمة نزلت عليها كأنها صدمة كهرباء، يمكن لأن طارق قفل الباب قدام أي تمثيل أو دلع. شيرين نخرت بتبجح وقالت بحدة ماشي.. أيوة أخدت جزء من الفلوس! لأني عكس أمك، أنا عايشة في الدنيا الحقيقية.. الدنيا اللي كل حاجة فيها بتمن، والمنظر الاجتماعي فيها بيفرق، والعيال محتاجين أكتر من مجرد طبق فول وشوية كلام عن الرضا والصبر.

دي كانت اللحظة اللي طارق انكسر فيها بجد.. مسك ضهر الكرسي بقوة لدرجة إن الخشب طقطق تحت إيده، وقال بصوت واطي ومخيف اطلعي بره مطبخ أمي.

شيرين وقفت مكانها مذهولة.. في ثانية واحدة، استوعبت إن الخناقة اللي كانت فاكرة إنها هتديرها وتسيطر عليها، خرجت عن السيطرة. دي مابقتش ناقرة ونقير بين راجل ومراته هيصالحها بكلمتين أو عزومة بره.. ده كشف حساب لضميرها. طارق واقف في المطبخ اللي شهد جوعه وهو صغير، وافتكر بالمللي يعني إيه تضحية، قبل ما يبقى غني ويشتري راحة باله ويسلم ضميره لغيره.

قالت بصوت فيه هدوء مصطنع يا طارق.. بلاش دراما، متبقاش أوفر. شاور لها على الباب بصباعه خدي العيال وانزلي على العربية.. حالاً.

لثانية واحدة، كنتِ فاكرة إنها هتعاند وتجرب سلاحها القديم؛ جمالها، شياكتها، طريقتها في إنها تبان هي اللي عاقلة ومظلومة.. لكنها شافت وشه وعرفت حاجة إنتي عارفاها كويس طارق مبيطلبش.. طارق بيأمر.

شيرين لفت ومشت من غير ولا كلمة. سمعتي صوت كعب جزمتها الغالي وهو بيخبط في الصالة، وبعدها صوتها وهي بتنادي العيال بنبرة فرحة كدابة. دقيقة والباب اتقفل وراهم. السكوت اللي سابته وراها كان تقيل.. كأن للهوا وزن.

طارق محركش شعرة.. وإنتي كمان. مفيش صوت غير غليان الفول على النار، وصوت موتور الثلاجة القديم وهو بيزيق بتعب. البيت حسيته صغر، بس بقى أنضف.. الكدب ليه ريحة خنقة، ولما بيخرج، النفس بيرجع تاني.

طارق لف وبص لكِ.. كان باين عليه الهدد.. مش عشان جوازه اللي بينهار بس، ده عشان النسخة اللي كان عايش بيها في عالم الأغنياء اتدمرت في مطبخك، وظهر من تحتها الولد الصغير اللي كان بياكل عيش وملح على الطبلية دي ويحلف إنه لما يكبر هيشيلك في عينه.

قال بصوت مبحوح يا أمي.. والكلمة اتقطعت في زوره. هنا مكنش ينفع تمسكي نفسك.. إنتي معيطتيش لما ستات الجامع كانوا بيدولك أكياس مكرونة صدقة. معيطتيش لما كنتِ بتنامي والفرن شغال عشان يدفي الشقة شوية. معيطتيش لما ركبك كانت بتوجعك لدرجة إنك بتقعدي على السرير عشان تلبسي الشراب بإيديكي الاتنين.. لكن ابنك وهو واقف قدامك، تايه كأنه عنده 12 سنة ومهموم كأنه عنده 60؟ ده اللي فتح الجرح بجد.

قعدتِ على الكرسي قبل ما

رجلك تخونك.. وهو نزل على ركبه تحت رجلك. فيه أمهات ممكن يستغلوا اللحظة دي عشان يقطّموا، عشان يعدّوا الشهور الباردة، والليالي اللي نمتي فيها وحيدة، والمكالمات اللي كانت بتخلص في ثانية.. ويمكن يكون ليهم حق. بس وإنتي بتبصي له، فهمتِ حاجة توجع هو مبعدش عنك لأنه بطل يحبك.. هو بعد لأنه وثق في الست الغلط، الست اللي كانت المفروض تبقى الجسر اللي بينه وبينك.

والثقة لما بتتحط في غير مكانها، بتجوّع الناس أكتر من الإهمال نفسه.

قال وهو بيبكي أنا آسف.. حقك عليا.. أنا آسف يا أمي. حطيتِ إيدك على شعره زي ما كنتِ بتعملي وهو طفل سخن بالليل ومش لاقية تمن الدوا عارفة يا ضنايا.. همستِ، رغم إن المعرفة غير المسامحة، والمسامحة لسه مدخلتش الأوضة دي.. عارفة يا طارق.

سند راسه على رجلك وعيط.. مش عياط برستيج، ده عياط راجل اكتشف إن الفلوس اللي بيبعتها مش هي الحب، وإن الشيكات مبتشبعش لو مكنش معاها نظرة عين. سبتيه يطلع وجعه.. وزي ما قولتِ، العيد ملوش لزوم بالكدب المتزوق.

بعد شوية، لما هدي، قام وبدأ يروح ويجي في المطبخ بقالك قد إيه؟ رديتِ بصراحة سنة كاملة مفيش مليم دخل حسابي. وقبل كدة، حاجات صغيرة.. أدوية كنت بتقول هتبعتها ومبتجيش. بطاطين شتا قالت لي إنها اتأخرت في الشحن. مرة قالت لي إنك عاوز تجيب لي ست تساعدني مرتين في الأسبوع بس أنا رفضت عشان كرامتي.. بصيتِ له في عينه أنا عمري ما رفضت يا طارق.

جز على سنانه قالت كدة؟ هزيتِ راسك كتير.

لف وشك وبص من الشباك.. ضوء الشمس بدأ يطفي ويدخل مكانه المغرب. الدنيا برا ماشية بهدوء غريب، وراديو بعيد مشغل أغنية للعيد، في حين إن حياتك بتتقسم نصين.

طارق سأل سؤال فاجئك ليه مقلتيليش؟ مكنش سؤال اتهام، كان سؤال واحد غرقان بيدور على اللحظة اللي غرق فيها عشان يرجعها. قلتِ له عشان أمهات جيلي اتربوا إنهم يصغروا كل سنة زيادة.. عشان مكنتش عاوزة أطلب وأحس إني بشحت. عشان كان صوتك في التليفون دايما تعبان. عشان مراتك كانت دايما بتتكلم كأن كل حاجة تحت السيطرة.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى