
قصر المنصوري
في صباح اليوم التالي… القصر كان مختلف.
الهدوء ما عاد هدوء خوف.
صار هدوء ترقب.
الخدم يتحركوا بحذر، يهمسوا أكثر من المعتاد، وكل واحد فيهم يحاول يفهم إيش صار بالضبط ليلة أمس.
أما أنا…
فما نمت أصلًا.
كنت جالسة على الكنبة الصغيرة داخل أوضة الأطفال، أراقب ليان وآدم وهم نايمين لأول مرة من غير ما يفزعوا كل ساعة.
حتى ملامحهم كانت أهدى.
لكن داخلي؟
كان مليان خوف.
لأن الناس اللي زي نادين… ما يطلعوا من حياة الناس بسهولة.
وفجأة…
رن هاتفي.
رقم غريب.
ترددت، ثم فتحت الخط.
صوت امرأة خرج باردًا:
“أنتِ مريم؟”
قلبي انقبض.
“مين معايا؟”
ضحكة قصيرة طالعة من الطرف الثاني.
“واضح إنك نسيتي مقامك بسرعة.”
نادين.
وقفت فورًا وأنا أبعد عن الأطفال.
“إنتِ عايزة إيه؟”
صوتها كان هادئ بشكل مخيف:
“عايزة أفهم… إنتِ فعلًا فاكرة إنك كسبتي؟”
ما رديتش.
فهمست:
“إنتِ مجرد خدامة يا مريم… وأنا أقدر أرجعك للشارع اللي جيتي منه بكلمة.”
إيدي بدأت تبرد.
لكن قبل ما أتكلم، سمعت صوت باب الغرفة ينفتح خلفي.
عمر.
كان واقف عند الباب، لابس قميص أسود وملامحه جامدة.
نظر للهاتف في يدي.
ثم قال بهدوء:
“هاتيه.”
تجمدت.
مد إيده مرة ثانية.
“الهاتف.”
ناولته إياه بإيد مرتعشة.
رفع الهاتف لأذنه وقال بصوت منخفض جدًا:
“نادين.”
ثواني صمت مرت.
ثم ملامحه قست أكثر.
“لو اتصلتي بيها مرة ثانية… هعتبر ده تهديد مباشر.”
واضح إنها بدأت تصرخ بالطرف الثاني، لأنه أبعد الهاتف قليلًا عن أذنه.
ثم قال جملة واحدة فقط:
“اللعبة خلصت.”
وأغلق الخط.
قلبي كان يدق بعنف.
أما هو…
فرجع الهاتف لي بهدوء وكأن شيئًا لم يحدث.
ثم نظر للأطفال النائمين.
ولأول مرة…
كان شكله مش رجل أعمال مخيف.
كان أبًا يشعر بالذنب.
قال بصوت منخفض:
“ليان كانت تصحى بالليل كده كل يوم؟”
هززت رأسي ببطء.
“وآدم؟”
“كان يستخبى تحت السرير أحيانًا.”
أغمض عينيه للحظة.
واضح إنه كان يحاول يستوعب حجم اللي ضاع منه.
ثم سأل فجأة:
“هما بيحبوا الفراولة صح؟”
رمشت بعدم فهم.
“إيه؟”
قال وهو ينظر لهم:
“سارة كانت دايمًا تقول إنهم يهدوا لما ياكلوها.”
الجملة خرجت منه مكسورة.
كأنه لأول مرة يسمح لنفسه يفتكر زوجته الراحلة من غير هروب.
وبعد ثواني… قال:
“خدي اليوم إجازة.”
استغربت.
“بس الأطفال—”
“أنا هفضل معاهم.”
بصيت له بتردد.
واضح إنه فهم خوفي، فقال بهدوء:
“مش هأذيهم.”
الغريب إني صدقته.
لكن قبل ما أخرج…
ليان فتحت عيونها.
أول ما شافتني قامت بسرعة.
“إنتِ رايحة فين؟”
قربت منها فورًا.
“موجودة يا حبيبتي.”
لكنها ما كانتش تنظر لي…
كانت تنظر لأبوها.
بتردد.
وخوف.
عمر نزل لمستواها ببطء.
“صباح الخير.”
ليان ما ردتش.
أما آدم… فصحى بعدها بثواني، وأول ما شاف عمر اتوتر تلقائيًا.
يا رب…
حتى بعد رحيل نادين، الخوف لسه جوّاهم.
وده قتل عمر من الداخل.
قعد على الأرض قدامهم وقال بهدوء:
“أنا عارف إني غلطت.”
الأطفال بصوا له باستغراب.
الأهالي نادرًا يعترفوا بغلطهم للأطفال.
كمل بصوت مبحوح:
“وأعرف إني اتأخرت… بس أوعدكم إن محدش هيخوفكم تاني.”
آدم قرب مني أكثر.
أما ليان فسألت السؤال اللي خلّى الصمت يملأ الغرفة:
“حتى لو إحنا زعلناك؟”
عمر رفع رأسه بسرعة.
“مين قال كده؟”
نظرت ليان للأرض.
“نادين.”
هنا…
أخذ نفسًا طويلًا، وكأنه يحاول يمنع نفسه من الانفجار.
ثم قال بحزم:
“اسمعوني كويس… ولا واحد فيكم سبب أي حاجة وحشة حصلت. فاهمين؟”
آدم همس:
“حتى موت ماما؟”
وساعتها…
عمر انهار فعلًا.
مش بالبكاء…
لكن بعينيه.
الوجع اللي في ملامحه كان كفاية يوجع أي حد يشوفه.
فتح ذراعيه ببطء.
“تعالوا هنا.”
ترددوا.
ثم…
راح آدم أولًا.
بعده بثواني، ليان.
وعمر حضنهم كأنه يحاول يعوض سنين كاملة بضمة واحدة.
أما أنا…
فوقفت بصمت.
أراقب المشهد.
وما انتبهتش إن عمر رفع عينه نحوي للحظة.
نظرة طويلة وغريبة…
فيها امتنان.
وفيها شيء ثاني ما قدرت أفهمه.
لكن اللحظة انكسرت بسرعة.
لأن باب الغرفة انفتح فجأة.
وسامي دخل بسرعة وملامحه متوترة.
“بيه…”
عمر رفع رأسه فورًا.
“في إيه؟”
سامي بلع ريقه.
“في مشكلة تحت.”
“اتكلم.”
“لقينا واحد من الحراس مصاب عند البوابة الخلفية… وفي كاميرا مكسورة.”
الصمت نزل ثقيل.
ثم أكمل سامي:
“واضح إن حد حاول يدخل القصر بالليل.”
إيدي بردت فورًا.
وعمر ببطء…
لف رأسه نحوي.
كأن الاثنين فهمنا نفس الشيء بنفس اللحظة.
نادين بدأت تتحرك.





