قصص قصيرة

اعتاد عمي

أمي لم تكن قادرة على الكلام، لكنها فهمت كل شيء حين رأت الصورة.

دفعتُ لها دفترًا وقلمًا.
استغرقت دقائق طويلة حتى كتبت جملة واحدة فقط:

مازن ليس عمك.
الجزء الثاني..
يديها المرتجفتان كانت تمسكان القلم كأنه ســ,لاح، والجملة التي كتبتها كانت رصاصة الرحمة في جسد “الأمان” الزائف الذي عشته لسنوات.
​«مازن ليس عمك.. هو الذي قتلهم جميعاً.»
​سقط الدفتر من يدي. نظرتُ إلى أمي، أو المرأة التي ظننتها أمي طوال أربعة وعشرين عاماً. كانت الدموع في عينيها تقول ما عجز لسانها عن وصفه؛ لم تكن شريكة في الجــ,,ريمة، بل كانت سجينة مثلها مثلي، رهينة لذنب لا أعرفه.
​ليلة السقوط
​عدتُ إلى القصر قبل الفجر. كنتُ أمشي في الردهات المظلمة وأنا أشعر أن الجدران تراقبني. دخلتُ غرفته، “مكتب المحامي النزيه”. بدأتُ أفتش في الخزنة التي ترك مفتاحها معلقاً في سلسلة ساعته التي يخلعها قبل النوم.
​فتحتُ الملف الأسود المخبأ خلف كتب القانون. هناك وجدتها: شهادة وفاة “مروة السالم” الحقيقية.
ابنة شقيق مازن توفيت في نفس العام الذي احترقت فيه الدار. أما أنا؟ فقد كنتُ “الوديعة” التي سرقها ليغطي بها فراغ عائلته ويستولي على ورث أبيها الحقيقي، رجل الأعمال الذي قضى في ذلك الحريق “المفتعل”.
​الندبة التي كان يلمسها كل ليلة لم تكن هوساً بي، بل كانت كابوسه. كان يتأكد كل ليلة أن العلامة التي قد تفضحه وتثبت أنني “الطفلة الناجية” لا تزال محصورة تحت سقف منزله.
​الساعة 2:17 فجراً
​توقفت عقارب الساعة. سمعتُ صوت الباب يُفتح.
لم أكن في السرير هذه المرة. كنتُ واقفة في زاوية الغرفة، والظلام يغطيني.
​دخل بخطواته الرتيبة. اقترب من الفراش، مد يده ليتحسس “الندبة”، لكنه لم يجد إلا الوسائد المحشوة.
تجمد مكانه. همستُ من خلفه بصوت لم أعرف قوته من قبل:
«هل تبحث عن الطفلة الناجية يا عمي؟ أم تبحث عن القاتل الذي يختبئ في ثياب محامٍ؟»
​التفت بسرعة مرعبة، وجهه الذي كان دائماً هادئاً تحول إلى قناع من الشر الصرف. لم يعتذر، لم ينكر. سحب من جيبه سكيناً صغيراً وقال بهدوء مخيف:
«كان يجب أن تموتي في الدار مع الآخرين.. السلسلة التي حول عنقك ليست ذهباً، هي مفتاح لصندوق أمانات في سويسرا، صندوق لا يُفتح إلا ببصمة الحمض النووي لتلك الندبة.»
​المواجهة الأخيرة
​تقدم نحوي، لكنني لم أتراجع. رفعتُ هاتفي عالياً.
«أنت محامٍ بارع يا مازن، لكنك نسيت أن التكنولوجيا أسرع من القانون.»
​في تلك اللحظة، دوّت أصوات صافرات الشرطة تحاصر القصر. لم تكن سارة تراقب البث وحدها؛ بل كانت قد أرسلت الرابط لضابط في مكافحة الجرائم المنظمة كنت قد تواصلت معه قبل ساعات.
​حاول الهجوم، لكن الباب انخلع من مكانه. رجال الأمن ملأوا الغرفة.
سقــ,طت السكــ,ين من يده، وســ,قط معها قناع الوقار.
​النهاية.. بداية جديدة
​بعد أشهر من التحقيقات، كُشف المستور. حريق “دار النور” لم يكن حادثاً، بل كان تصفية حسابات لإخفاء جـ,ريمة اختلاس كبرى لموكليه، وكنتُ أنا الدليل الحي الوحيد الذي قرر “تبنيه” ليراقبه حتى الموت.
​أمي -التي تبنتني في الأوراق- استعادت قدرتها على الهمس بعد علاج مكثف. أخبرتني أن أبي الحقيقي كان صديق مازن، وأنه اؤتمن عليه فخانه.
​وقفتُ أمام مرآتي، لمستُ الندبة التي على شكل هلال. لم تعد تؤلمني. لم تعد ذكرى لخوف، بل أصبحت وشماً للنجاة.
​أنا مروة.. لستُ ابنة السالم، ولستُ ضحية مازن.
أنا الناجية الوحيدة، والآن.. أنا حرة.

الصفحة السابقة 1 2

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى