قصص قصيرة

الفتاة السمينة التي لا يريدها أحد

 جزء داخلي كان ما يزال يريد أن يصرخ في وجهه:   “أنت السبب.”   لكن شيئًا آخر داخلي…   شيئًا أكثر تعبًا من الغضب…   دفعني للذهاب.   وعندما دخلت بيتهم…   شعرت لأول مرة أن ذلك القصر ليس مريحًا كما كنت أتخيل دائمًا.   كان واسعًا أكثر من اللازم.   صامتًا أكثر من اللازم.   باردًا بطريقة غريبة.   كأن الحزن يعيش داخله منذ سنوات.   حتى الخدم كانوا يتحركون بهدوء مبالغ فيه…

  كأن الجميع يخاف إيقاظ شيء ثقيل نائم داخل الجدران.   وجدتها جالسة قرب النافذة.   ترتدي عباءة سوداء واسعة تخفي جسدها بالكامل، وتضم يديها داخلها كأنها تحاول الاختباء من العالم كله.   بدت أضعف بكثير من آخر مرة رأيتها فيها.   وجهها كان شاحبًا بشكل أخافني للحظة.   وعندما رفعت عينيها نحوي…   خفضتهما فورًا.   جلستُ أمامها دون مقدمات طويلة.   كنت أعرف أنني لو ترددت…   فلن أسأل أبدًا.   ثم قلت مباشرة:  
“أخي… مات بسبب العملية فعلًا؟”   تجمّد وجهها بالكامل.   ورأيت الرعب يمر داخل عينيها للحظة قصيرة.   وبعد ثوانٍ طويلة…   بدأت تبكي بصمت.   قالت وهي تهز رأسها ببطء:   “نعم…”   شعرتُ وقتها وكأن شيئًا انكــــــ، سر داخلي من جديد.   ورغم أنني كنت أعرف الحقيقة تقريبًا…   إلا أن سماعها بصوت واضح كان مختلفًا تمامًا.   كأن الجرح فُتح مرة أخرى أمامي.   أكملت بصوت متقطع:   “أبوك لم يكن يعرف التفاصيل كاملة في البداية… لكنه بدأ يشك بعد فترة.”   ثم بدأت تحكي لأول مرة بهدوء حقيقي.

  “في الليلة التي دخلتُ فيها غرفة العمليات… كان أخوك في الطابق نفسه.”   شعرتُ ببرودة تضرب ظهري.   أما هي فأكملت وهي ترتجف:   “حالتي كانت ميؤوسًا منها تقريبًا… والأطباء قالوا إنني لن أعيش دون زراعة عاجلة.”   سكتت لحظة طويلة.   “وفي الليلة نفسها… دخل أخوك المستشفى بعد الحادث.”   اختفى الصوت من الغر، فة.  

حتى أنني توقفت عن التنفس للحظة.   قالت وهي تبكي:   “كان ما يزال حيًا…”   ثم أغلقت عينيها بقوة وكأنها لا تحتمل الكلمات.   “لكن الطبيب المسؤول أخبر والدي أن فرص نجاته ليست كبيرة… وأن توافق الأنسجة بيننا نادر بشكل شبه مستحيل.. وإذا تمت العملية ستنعدم فرصة نجاته.   شعرتُ بيدي تنقبضان ببطء.  

رفعت عينيها نحوي أخيرًا.   وكان داخلهما رعب قديم لم يمت.   “الطبيب هو من اقترح الأمر.”   لم أفهم في البداية.   لكنها همست بعدها مباشرة:   “اقترح أخذ جزء من الكبد قبل إعلان وفاته رسميًا.”   شعرتُ بالغثيان فورًا.   ونهضت من مكاني بعنف حتى اصطدمت الطاولة الصغيرة بقدمي.   “ماذا…؟”   خرج صوتي مخنو، قًا.   أما هي فبدأت تبكي بشكل أقوى.   “أبي وافق…”   وضعت يدها فوق فمها وهي ترتجف.   “كان مرعوبًا من ان يفقدني… وكان مستعدًا لفعل أي شيء حتى لا أموت.”   شعرتُ أن الغر، فة تدور حولي.

  أخي…   كان ما يزال حيًا.   تلك الفكرة وحدها كانت كافية لتمزيقي من الداخل.   أكملت وهي تبكي:   “بعدها تم التلاعب بالتقارير… وأُعلن موته أسرع مما كان يجب.”   لم أعد قادرًا على النظر إليها.   أما هي فأكملت بصوت محطم:   “والطبيب أخذ أموالًا ضخمة مقابل صمته… ثم اختفى بعدها من المستشفى تمامًا.”   شعرتُ وقتها أنني أختنق.   لأول مرة…   لم أعد أرى ما حدث مجرد “خطأ”.

  بل ج*ريمة كاملة.   قالت وهي تمسح دموعها المرتجفة:   “وعندما بدأ أبوك يشك… حاول والدي احتواء الأمر بالمال.”   ضحكتُ فجأة دون إرادة.   ضحكة قصيرة ومكسورة.   لأنني استطعت تخيّل أبي بوضوح.   رجل بسيط بملابس مليئة بغبار البناء…   وخلف عينيه خوف هائل على ابنه…   ثم يأتي أحدهم ليضع المال أمامه وكأن طفلًا يمكن استبداله بورق.   قالت بعدها بسرعة وكأنها تخاف من شيء آخر:

  “ثم مات والدك بعد ذلك بفترة في حادث العمل…”   ورفعت عينيها نحوي فورًا.   “لكن أقسم بالله… موته لم يكن مدبرًا.”   سكتت قليلًا ثم همست:   “أحيانًا الحياة تكون ظالمة بما يكفي دون مؤامرات.”   تلك الجملة بقيت تدور داخل رأسي طويلًا.   لأنها كانت حقيقية بشكل مرعب.   أخي ما، ت فعلًا بسبب ما فعله والدها.   هذه الحقيقة لم تعد مجرد شك.   لكن أبي…   لم يُق*تل.   كان مجرد رجل فقير أتعبه الحزن والعمل والخوف حتى سقط يومًا من فوق البناء وانتهى كل شيء.   وذلك كان موجعًا أكثر.   لأنني طوال سنوات كنت أبحث عن وحش واضح أكرهه…   لكن الحقيقة كانت أقذر من ذلك.   رجل خائف على ابنته.   طبيب بلا ضمير.   وطفل فقير لم يكن أحد سيسأل عنه طويلًا.  

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى