
قالت له إن القصة انتهت… لكن ما اكتشفته بعد الطلاق كان أخطر من كل ما كتبته
كان الضوء المتسلل إلى غرفة النوم الرئيسية في شقة البنتهاوس بنيويورك غير دافئ. كان ضوءا باردا قاسيا أشبه بضوء غرفة عمليات يكشف كل ذرة غبار راقصة في الهواء ويبرزعلى نحو أشد إيلاماكل خط من خطوط الإرهاق المحفورة على وجهي كخريطة كاملة للمعاناة.
كنت أنا آنا فاين في الثامنة والعشرين من عمري لكنني في تلك اللحظة شعرت بأنني عجوز. كنت بعد ستة أسابيع فقط من الولادة مقيمة في عالم سريالي مربك من أمومة جديدة أتعافى من ولادة ثلاثة توائمثلاثة أولاد جميلين متطلبين لا يلينون أبدا اسماؤهم ليو وسام ونوح. كان جسدي غريبا عني وعاء لم أعد أتعرف إليه. صار أكثر ليونة مشدودا وموسوما بندبة شاحبة غاضبة من أثر العملية القيصرية. كنت أتألم على الدوام من حرمان عميق من النوم حرمان يجعل الغرفة تدور إن حركت رأسي بسرعة. عشت في حالة ذعر منخفض الدرجة لا يفارقني أحاول تدبير كابوس لوجستي من ثلاثة رضع وطاقم متناوب من المربيات يتركن العمل كل أسبوعين بحجة الإرهاق وشقة مساحتها أربعة آلاف قدم مربعة صارت فجأة خانقة كعلبة أحذية.
في هذا المشهد تحديدا اختار ماركزوجي منذ سبع سنوات والمدير التنفيذي المحتفى به لشركة أبيكس دايناميكس إحدى أكبر شركات التكنولوجياأن يصدر حكمه النهائي على زواجنا.
دخل مرتديا بدلة فحمية مكوية بعناية الدرع الذي اعتاد ارتداءهفي معارك غرف الاجتماعات. كانت تفوح منه رائحة قماش نظيف وعطر حمضي باهظ ولمسة خفية لا تخطئ من الازدراء. لم ينظر إلى الأطفال الذين كانوا يبكون بخفوت في أسرتهم الصغيرة وصورهم ترتجف على شاشة المراقبة في الغرفة المجاورة. نظر إلي وحدي.
ألقى ملفا سميكا ذا طابع رسمي مخيفأوراق الطلاقعلى الغطاء الناعم لسريرنا. كان الصوت حادا نهائيا كطرقة مطرقة على منصة قاض حكما يعلن.
لم يستخدم لغة المال ليبرر رحيله. لم يتذرع بتلك العبارة المعقمة المألوفة خلافات لا يمكن حلها. استخدم لغة المظهر ولوح بها بقسوة عابرة كقاطع تشريحي. تفحصني من أعلى إلى أسفل وتوقف نظره بتقزز مسرحي محسوس عند الهالات الداكنة الكالحة تحت عيني وبقعة القيء الجافة الخفيفة على كتف ملابس النوم ورباط الضغط الواسع القاسي الذي أرتديه تحتها.
قال ساخرا وصوته سلاح مشحون بقرف عميق بدا كضربة جسدية
انظري إلى نفسك يا آنا. تبدين كفزاعة. مهلهلة. صرت منفرة. أنت تفسدين صورتي علنا. مدير تنفيذي بمستواي وبحضوري العام يحتاج زوجة تعكس النجاح والحيوية والقوةلا هذا الانحدار الأمومي.
رمشت وعقلي المنهك من قلة النوم يكافح ليستوعب عري القسوة في كلماته. همست بصوت أجش
مارك لقد أنجبت ثلاثة أطفال أطفالك.
فأجاب ببرود صلد كرخام بهو شقتنا
وقد تركت نفسك تضيعين تماما في الطريق.
ثم أعلن مسرحية بدت معدة سلفا على نحو فج كمشهد من مسرحية رديئة. ظهرت كلوي مساعدته التنفيذية ذات الثانية والعشرين عند الباب كأنها دخلت في توقيتها المحدد. كانت نحيلة مشدودة متقنة الزينة ترتدي فستانا قرمزيا ضيقا يرجح أن ثمنه يفوق ثمن سيارتي الأولى. وعلى شفتيها ارتسمت ابتسامة انتصار صغيرة. البديلة التي صعدت إلى الضوء.
قال مارك وهو يعدل ربطة عنقه أمام المرآة كاملة الطول مأخوذا بانعكاسه برضا مقزز
سنغادر. محاموني سيتولون التسوية. أوصيتهم أن تكون مناسبة. احتفظي بالبيت في كونيتيكت. يلائمك هذه النسخة المنزلية الجديدة منك. انتهيت من الضجيج والهرمونات ومن هذا المشهد البائس غير الجمالي وأنت تتنقلين بملابس النوم.
كان مارك يظن نفسه بمنأى عن المساءلة. افترض أنني منهكة محطمة نفسيا ومعتمدة ماليا على فتات تسويته فلا أملك طاقة المقاومة. لطالما استخف بماضي وطموحاتي. سمى شغفي بالكتابةالشيء الذي عرفني قبل أن ألتقيههواية لطيفة ينبغي أن أتخلى عنها لأركز على المهمة الأهم استضافة حفلات عشاءه. خرج من باب بيتنا وكلوي على ذراعه مقتنعا أنه حسم الحرب بإهانة واحدة مدمرة وشخصية بعمق.
كان مخطئا. مخطئا على نحو عميق وكارثي. لم يكن قد أهان زوجة فحسب. كان قد منح روائية حبكتها.
في اللحظة التي أغلق فيها الباب الأمامي الثقيل خلفهما لم يغرقني اليأس الذي كان يهدد بابتلاعي بل تحول. كان تحولا غريبا فوريا. الإذلال الذي أوقعه مارك ببرود صار الوقود الإبداعي الأعلى أوكتانا الذي عرفته في حياتي.
كنت كاتبة شابة واعدة قبل ماركحازت روايتي الأولى الهادئة الأدبية جائزة مرموقة واستقطبت انتباه مشهد النشر في نيويورك. ثم جاء الزواج والالتزامات الاجتماعية التي لا ترحم لكوني زوجة مدير تنفيذي وضغط التوافق وأن أكون مضيفة مثالية والتوقع الصامت بأن أدير حياته كي يتفرغ هو لصعوده. لم تكن أوراق الطلاق نهاية فحسب كانت تصريحا. إطلاقا قاسيا مؤلما لكنه محرر في النهاية من قفص لم أدرك أنني كنت فيه. كانت إذنا باستعادة أعظم أصولي عقلي.
صار يومي جدولا مقلوبا شاقا. الليالي التي كان يفترض أن أنام فيهاالساعات الثمينة الخاطفة حين يهدأ الأطفال أخيراصارت ساعات الكتابة. نصبت حاسوبي المحمول على سطح المطبخ الغرانيت البارد بجوار معقم الزجاجات وصفوف عبوات الحليب الصناعي المرتبة. كتبت عبر إرهاق ساحق مدفوعة بقهوة سوداء فاترة وبنواة غضب أبيض حاد كالماس.
لم أكتب مقالة اعتراف دامعة. لم أكتب مذكرات متوسلة للشفقة. كتبت رواية. عملا روائيا داكنا لاذعا دقيقا نفسيا بعنوان فزاعة المدير التنفيذي.
كان الكتاب تشريحا جنائيا مموها على نحو رقيق لمارك فاين والعالم السام النرجسي الذي بناه حول نفسه. كل مشهد قسوة عابرة كل تعليق استخفافي





