
الفتاة السمينة التي لا يريدها أحد
حتى أمي… التي ظننت يومًا أنها لن تستطيع النظر إليها… بدأت تراها بطريقة مختلفة. كانت تقول لي أحيانًا: “البنت متعبة يا ابني… الدنيا أكلتها وهي حيّة.” أما والدها… فبعد الحادث أصبح أهدأ بكثير. لم يعد ذلك الرجل الذي يفرض سيطرته على الجميع بصوته ونفوذه. صار يبدو كرجل عجوز يحمل ذنبًا أكبر منه. وأظن أنه فهم أخيرًا أن المال يستطيع شراء الصمت أحيانًا…
لكنه لا يستطيع شراء راحة الإنسان من نفسه. لم يعترف بما فعله أمام الناس. ولم تحدث فضائح كبيرة. لأن فضيحة كهذه كانت ستدمّر الجميع دون أن تعيد طفلًا مات منذ سنوات. فبقيت الحقيقة محصورة بيننا… ثقيلة… ومؤلمة… لكنها حقيقية. وفي أحد الأيام، بعد أشهر طويلة من الصمت والتردد، عادت هي إلى بيتنا نهائيًا. ليس كزوجة جاءت لتبدأ قصة حب. بل كإنسانة تعبت من الهر، ب. وفي تلك الليلة تحديدًا… جلسنا على الشرفة القديمة لبيت أمي. كانت عمّان هادئة بشكل غريب. والهواء البارد يحرّك طرف حجابها بصمت. ثم قالت فجأة: “هل تعتقد أننا نستطيع أن نعيش بشكل طبيعي يومًا ما؟”
نظرت إليها طويلًا. ثم قلت: “لا أعرف… لكن ربما نستطيع أن نعيش بسلام.” ولأول مرة منذ عرفتها… ابتسمت دون خوف. ابتسامة صغيرة جدًا… لكنها كانت حقيقية. بعدها بوقت طويل… صرنا نخرج أحيانًا معًا دون أن نهتم بكلام الناس. بعضهم كان ما يزال يهمس عندما يراها. وبعضهم ينظر إليها بشفقة قديمة.
لكنها لم تعد تنكسر كما كانت. وكأنها أخيرًا فهمت أن حياتها ليست ملكًا لنظرات الآخرين. وفي صباح شتوي هادئ… كانت تسير بجانبي في أحد شوارع عمّان القديمة، بعباءتها السوداء الواسعة، بينما الناس يمرّون حولنا بشكل عادي جدًا. باعة القهوة ينادون بأصوات مرتفعة. ورائحة الخبز الساخن تملأ المكان. والمدينة تمضي في حياتها كأنها لا تعرف شيئًا عن كل الألم الذي عشناه. لا أحد كان يهمس عنها هذه المرة. لا أحد ينظر إليها كأنها “البنت التخينة المعيبة”
. مجرد امرأة عادية… تمشي بهدوء بجوار رجل عادي. وحين نظرت إليها وقتها… أدركت أخيرًا أن بعض العلاقات لا تُبنى على الحب وحده. أحيانًا تُبنى على النجاة. على شخصين كسرتْهما الحياة بطرق مختلفة… ثم وجدا نفسيهما يحاولان الوقوف معًا وسط الخراب. وربما… كان ذلك كافيًا.





