قصص قصيرة

اشعار تاني حكايات اسما 

“لو بتحب بنتك… متخليش حد يعرف إنك بتدور.”
فضل كريم باصص للرسالة كأنها مش كلمات على شاشة موبايل، كأنها تحذير مكتوب بدم بارد على باب بيته. الصورة اللي بعتها ياسين كانت لطفل صغير، تقريبًا في سن ملك أو أكبر بسنة، دراعه مليان علامات زرقا، مش كدمة واحدة ولا اتنين، لا… علامات متفرقة كأن حد كان بيعرف يسيب أثره في أماكن ما تبانش بسهولة.
حس كريم إن معدته اتقلبت.
بص ناحية أوضة النوم. ملك كانت نايمة أخيرًا بعد ليلة طويلة من الكوابيس، حاضنة الأرنب اللعبة، ووشها البريء مرهق كأنها شايلة هم أكبر من عمرها بسنين.
كتب لياسين بسرعة:
“أنا لازم أعرف كل حاجة. بنتي بتتأذي.”
الرد ماجاش فورًا.
مرت دقيقة. اتنين. خمسة.
ثم ظهرت رسالة:
“قابلني بكرة الساعة ٨ الصبح عند كافيه قديم في مدينة نصر. من غير ما تقول لحد. ومن غير ما تيجي بعربية واقفة قدام بيتك.”
كريم حس بقشعريرة في ضهره.
كتب:
“إنت خايف من مين؟”
جاله الرد:
“من نفس الناس اللي خلت ابني يفضل سنة كاملة مابيتكلمش.”
في اللحظة دي، كريم ماعرفش يرد.
قفل الموبايل وحطه على الترابيزة، لكن عينه فضلت معلقة عليه. كانت الصالة هادية، والشارع تحت البيت شبه فاضي، غير صوت عربية بعيدة وعدت بسرعة. ومع ذلك، لأول مرة، حس إن بيته نفسه مش آمن.
قرب من الشباك وبص من ورا الستارة.
الشارع ساكت.
بس العربية السودا اللي شافها قبل كده؟ مكنتش موجودة.
ومع إن غيابها كان المفروض يطمنه، إلا إن قلبه اتقبض أكتر.
الصبح، صحيت ملك وهي ماسكة في كم التيشيرت بتاعه.
— بابا… مش هتوديني المدرسة، صح؟
كريم قعد جنبها على السرير ومسح على شعرها.
— لا يا حبيبتي. إنتِ مش رايحة هناك تاني دلوقتي.
عينيها لمعت بدموع صغيرة.
— الأبلة هتزعل؟
حس إن السؤال طعنه.
طفلة اتأذت ولسه خايفة تزعل اللي أذاها.
ابتسم لها بالعافية.
— مش مهم مين يزعل. المهم إنتِ تبقي بأمان.
سابت نفس طويل كأنها كانت حابسة هوا في صدرها من أيام.
قبل ما ينزل، ودّاها عند جارته أم خالد، ست كبيرة وطيبة كانت بتحب ملك من وهي صغيرة. قال لها إن عنده مشوار ضروري، وماقالش تفاصيل. أم خالد بصت في وشه وعرفت إن في مصيبة، لكنها ما سألتش. بس قالت بهدوء:
— سيبها يا ابني. دي في عيني.
نزل كريم من العمارة، لكن بدل ما يركب عربيته، مشي شارعين لحد ما ركب تاكسي من الطريق العمومي. كان حاسس إنه بيمثل مشهد من فيلم بوليسي، بس الفرق إن البطل هنا مش بيدور على كنز ولا سر سياسي… البطل أب خايف على بنته.
وصل الكافيه قبل الميعاد بعشر دقايق.
كان مكان قديم في شارع جانبي، كراسي خشب، ترابيزات ضيقة، وريحه قهوة تقيلة ممزوجة بدخان سجاير قديم رغم إن المكان كان شبه فاضي. اختار ترابيزة في الركن، وفضل يبص على الباب كل ما حد يدخل.
في تمام الساعة ٨، دخل رجل طويل، وجهه شاحب، لابس قميص رمادي وجاكيت أسود. كان باين عليه إنه أكبر من سنه. عينيه غايرة، وشعره فيه خصلات بيضا كتير. كريم عرفه من صورة البروفايل.
ياسين الشرقاوي.
قعد قدامه من غير سلام طويل.
— إنت كريم؟
— أيوه.
— بنتك اسمها إيه؟
— ملك.
ياسين بصله لحظة طويلة، وكأن الاسم نفسه وجعه.
— ابني اسمه آدم. كان في فصل داليا من سنتين.
كريم انحنى لقدام.
— احكيلي.
ياسين سكت شوية، وبعدين قال بصوت واطي:
— آدم كان طفل اجتماعي. بيضحك كتير، بيحب يحكي، كل يوم يرجع من المدرسة يقول عمل إيه ولعب مع مين. بعد شهرين مع داليا بدأ يتغير. الأول بقى هادي. بعدين بقى يعيط قبل المدرسة. بعدين بدأ يعمل حمام على نفسه وهو نايم، مع إنه كان بطل من سنين.
كريم بلع ريقه.
— نفس اللي بيحصل مع ملك تقريبًا.
ياسين هز راسه.
— سألناه. كان يقول “الأبلة بتزعل مني”. افتكرناها رهبة مدرسة. بعدين بدأ يرجع بكدمات. في الضهر، في الدراع، جنب الكتف. أماكن ما تبانش تحت الهدوم.
إيد كريم اتقبضت على فنجان القهوة لدرجة إن المفاصل ابيضت.
— عملت إيه؟
ضحك ياسين ضحكة قصيرة ومرة.
— عملت كل حاجة. رحت المدرسة. طلبت كاميرات. قالوا خصوصية أطفال. اشتكيت للإدارة. قالوا ابني حساس. عملت محضر. قالوا محتاج دليل. جبت تقرير طبي، قالوا الكدمات ممكن تكون من لعب الأطفال. وفي الآخر…
سكت.
— في الآخر إيه؟
ياسين رفع عينه، وكانت مليانة وجع.
— في الآخر المدرسة قلبت الأهالي علينا. قالوا إن مراتي مضطربة، وإن آدم عنده مشاكل سلوكية، وإننا بنحاول نبتز المدرسة علشان فلوس. تخيل؟ ابني كان بيرتعش من الخوف، وهم خلونا إحنا الوحوش.
حس كريم إن كل كلمة بتتحفر جواه.
— طب ليه محدش عرف؟
— لأن كل واحد حاول يتكلم لوحده. المدرسة كانت بتكسره لوحده. دي لعبتهم. يعزلوك. يخلوك تبان أب مجنون، أو أم هستيرية، أو أهل عايزين شهرة. وبعد كده الناس بتخاف تقف جنبك.
— وداليا؟
ملامح ياسين اتشدت.
— داليا مش مجرد مدرسة. هي محمية.
— من مين؟
ياسين قرب منه وقال بصوت شبه همس:
— من جوز المديرة.
كريم عقد حواجبه.
— جوز منى السيوفي؟
— أيوه. اللواء السابق سامح السيوفي. راجل علاقاته كتير، وبيشتغل مستشار أمني لمجموعة مدارس خاصة. أي شكوى بتدخل المدرسة… بتطلع بره ميتة.
كريم حس إن الصورة بدأت تتوضح، بس الوضوح كان مرعب.
— يعني الموضوع شبكة؟
— مش شبكة بالمعنى اللي في بالك. لكنه نظام حماية. سمعة المدرسة أهم من الأطفال. فلوس الأهالي أهم من دموعهم. أي مشكلة تتدفن بسرعة قبل ما توصل للسوشيال ميديا أو الوزارة.
— طيب نعمل إيه؟
ياسين طلع فلاشة صغيرة من جيبه وحطها على الترابيزة، وغطاها بكفه.
— أنا مقدرتش أكمل وقتها. مراتي انهارت، وابني كان محتاج علاج نفسي. نقلناه من القاهرة كلها وسافرنا إسكندرية عند أهل مراتي سنة. بس قبل ما نمشي، واحد من الأمن في المدرسة اداني نسخة من فيديو.
قلب كريم وقف.
— فيديو لإيه؟
— مش كامل. دقيقة ونص من ممر جنب فصل داليا. مش بيبين كل حاجة… بس بيبين آدم خارج وهو بيعرج، وداليا طالعة وراه وماسكة دراعه بعنف. الإدارة قالت وقتها إن الفيديو ملوش قيمة. بس لما اتفرجت عليه بعدها فهمت… لو الفيديو ده اتجمع مع شهادات تانية، هيبقى بداية.
مد كريم إيده ياخد الفلاشة، لكن ياسين مسكها لحظة.
— اسمعني كويس. لو هتكمل، ماتكملش لوحدك. لازم تجمع أهالي. ولازم تخلي أي حاجة تبقى في النور مرة واحدة. لو واجهتهم بدليل صغير، هيبلعوه. لو واجهتهم بعاصفة، هيقعوا.
كريم أخذ الفلاشة.
— وأنا مش هسكت.
ياسين بصله بحزن.
— كنت بقول كده برضه.
خرج كريم من الكافيه وهو حاسس إن رجليه شايلينه بالعافية. ركب تاكسي تاني، لكن قبل ما يوصل البيت طلب من السواق ينزله عند محل كمبيوتر صغير. اشترى كارت ميموري جديد ووصلة، وبعت نسخة من محتويات الفلاشة على إيميل جديد عمله باسم مش حقيقي. بعدها رجع البيت.
ملك كانت قاعدة مع أم خالد بتلون في كراسة، لكن أول ما شافته جريت عليه وحضنته.
— اتأخرت يا بابا.
— معلش يا روحي.
بصتله ببراءة.
— جبتلي شيكولاتة؟
كان ناسي. وده كسره أكتر من أي حاجة.
ابتسم وقال:
— هننزل نجيب سوا بعد شوية.
لكن قبل ما ينزلوا، رن جرس الباب.
كريم فتح.
اتجمد.
قدامه كانت المديرة منى السيوفي بنفس ابتسامتها الهادية، ومعاها رجل طويل في الستينات، بدلة غالية، شعره أبيض مرتب، ونظرة عينه بتاعة حد متعود الناس توسع له الطريق.
— أستاذ كريم، ممكن نتكلم دقيقتين؟
كريم وقف في الباب وسد المدخل بجسمه.
— خير؟
منى ابتسمت.
— إحنا جايين بشكل ودي. مش حابين الموضوع يكبر أكتر من اللازم.
الرجل مد إيده.
— سامح السيوفي. زوج مديرة المدرسة.
كريم ماصافحوش.
إيد سامح فضلت معلقة لحظة، ثم نزلها ببطء وابتسم.
— واضح إنك متوتر. وده مفهوم. أب وخايف على بنته.
— بنتي اتأذت في مدرستكم.
منى تنهدت كأنها بتتعامل مع طفل عنيد.
— أستاذ كريم، إحنا مش بننكر إن ملك محتاجة دعم نفسي، وده مش عيب. بعض الأطفال بيكون عندهم حساسية عالية…
قاطعها بصوت حاد:
— ماتقوليش على بنتي حساسة تاني.
سامح ضيق عينيه.
— خلي بالك من نبرة صوتك.
كريم قرب خطوة.
— وإنت خلي بالك إنك واقف على باب بيتي.
لحظة صمت تقيلة.
منى حاولت تلطف الجو.
— إحنا جايين نعرض عليك حل محترم. المدرسة مستعدة ترجع لك مصاريف السنة كاملة، وتدي ملك خطاب نقل ممتاز لأي مدرسة تختارها. ومن غير ما يحصل تصعيد يضر كل الأطراف.
كريم ضحك بسخرية.
— كل الأطراف؟ يعني بنتي طرف، واللي آذاها طرف، واللي غطى عليها طرف؟
سامح قال بهدوء مخيف:
— أحيانًا الإنسان الذكي يعرف إمتى يحمي أسرته من الضجيج. القضايا دي بتتعب الأطفال. تحقيقات، أسئلة، كلام ناس، سمعة… بنتك صغيرة. متخليهاش تعيش دور الضحية طول عمرها.
الكلمة ضربت كريم في صدره.
— هي ضحية فعلًا.
— أو يمكن أنت اللي بتحولها لكده.
في اللحظة دي، ظهر وجه ملك من ورا باب الصالة. كانت واقفة خايفة، ماسكة طرف فستانها.
أول ما شافت منى، رجعت خطوة لورا.
منى ابتسمت لها:
— ملك يا حبيبتي…
صرخت ملك فجأة:
— لا!
ورجعت تجري جوه الشقة.
كريم استدار بسرعة، قلبه اتقطع من صوتها. وبعدين رجع بص لسامح ومنى.
— شفتوا؟ ده رد بنتي.
منى وشها اتوتر لأول مرة.
سامح مال برأسه وقال بصوت منخفض:
— فكر كويس يا أستاذ كريم. مش كل معركة بتتخاض لازم تكسبها. أحيانًا اللي بيكسب هو اللي يطلع بأقل خسائر.
— بتحددني؟
— بنصحك.
— نصيحتك مرفوضة.
قفل الباب في وشهم.
واستند عليه من جوه، يحاول يسيطر على نفسه.
لقي ملك واقفة في آخر الممر بتعيط.
ركع وفتح لها حضنه.
جريت عليه.
— أنا آسف يا حبيبتي. مش هخليهم يقربوا منك تاني.
قالتها وهي مدفونة في صدره:
— هي هترجع تاخدني؟
— لا. ولا حد هيقدر ياخدك مني.
في الليلة دي، بعد ما نامت ملك، فتح كريم اللاب توب وشغل الفلاشة.
الفيديو كان قديم، كاميرا ممر، الجودة ضعيفة. الساعة ظاهرة في الركن. ممر طويل، أطفال خارجين للفسحة. بعد ثواني ظهر طفل صغير، آدم، خارج من باب الفصل وهو ماسك دراعه وبيحاول يمشي بسرعة. كان واضح إنه بيكتم عياط. بعده ظهرت داليا، شدت دراعه ورجعته خطوة لورا بعنف، ثم انحنت عند ودنه وقالت حاجة. الصوت مش موجود. لكن جسم الطفل كله اتجمد.
كريم وقف الفيديو عند اللحظة دي.
نفس انحناءة داليا.
نفس الابتسامة.
نفس الطريقة اللي ملك كانت بتوصفها وهي مرعوبة.
عاد الفيديو عشر مرات.
ثم قرر يبدأ من مكان المدرسة نفسها بتخاف منه: الأهالي.
دخل جروب واتساب، لكنه ماكتبش اتهام مباشر. كتب رسالة قصيرة:
“أنا عارف إن فيه أهالي خايفة تتكلم. لو أي طفل مر بتجربة صعبة مع الأبلة داليا أو إدارة المدرسة، ابعتولي خاص. مش هذكر اسم حد بدون إذنه.”
في أول عشر دقايق… مفيش رد.

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى