
تزوّجت المرأة التي كانت بغداد كلها تسخر من وزنها… وفي ليلة الزفاف اكتشفت أن جسدها يخفي سرًّا دمّر عائلتي بالكامل.
الوقت بدأت آكل حتى لا أشعر. حتى أختفي داخل نفسي.
لم أعرف ماذا أقول.
كنت أريد أن أكرهها لأن الكراهية أسهل.
لكن الحقيقة لم تكن سهلة.
الحقيقة كانت غرفة باردة، وامرأة محطمة، واسم عائلة موشوم كعقوبة.
لماذا الأحرف؟
لمست كاحلها.
مصطفى كاظم. وشمتها عندما عرفت اسمه. أردت أن أتذكره. أردت أن يبكيه أحد باسمه الكامل.
غطيت وجهي بيدي.
بكيت على أخي، وعلى أبي، وعلى أمي، وعلى السنوات التي ظننت فيها أن الفقر مجرد سوء حظ، وليس قفصًا بناه رجال مثل فاضل السامرائي.
في الفجر ذهبنا إلى المستشفى الذي ترقد فيه أمي.
رافقتنا المدعية.
دخلت أولًا.
كانت أمي مستيقظة، صغيرة بين الشراشف، والضباب يخرج من جهاز الأوكسجين فوق وجهها.
يمّه قالت عندما رأتني مضروبًا ماذا فعلوا بك؟
جلست قربها وأمسكت يدها.
أمي أريد أن أسألك شيئًا. هل كان لدي أخ؟
تغير وجهها.
لم تكن صدمة.
كانت جرحًا يُفتح بعد سبعة وعشرين عامًا.
مصطفى همست.
ثم بكت، كأن أحدًا أخيرًا سمح لها بذلك.
أخبرتنا أمي أن مصطفى وُلد أولًا، ثم وُلدتُ أنا بعده بدقائق.
قالت إننا بكينا معًا.
وأن ممرضة أخذت مصطفى للفحص.
ثم لم يعد.
قالت إن أبي حطم الأبواب، وصرخ، وتوسل.
وفي النهاية سلّموهما صندوقًا مغلقًا وتهديدًا واضحًا إذا استمرا في السؤال، فسيفقدانني أنا أيضًا.
أبي لم يمت بحادث.
مات لأنه وصل إلى الطبيب الذي وقّع أوراق نقل مصطفى.
كان سيقدّم بلاغًا.
وفي ذلك الأسبوع أرسلوه إلى مشروع بلا حزام أمان، في طابق لم يجف فيه الإسمنت بعد.
نظرت أمي إلى إنعام من فوق السرير.
إنعام بقيت عند الباب، عاجزة عن الدخول.
أم مهند قالت بصوت مكسور أنا أعيش بعضو سُرق من ابنكِ. لا أملك شيئًا يكفي لأدفع هذا الذنب. ولا يوجد اعتذار يكفي. لكنني سأعترف بكل شيء. وسأعيد كل دينار خرج من تلك الجريمة.
راقبتها أمي طويلًا.
ظننت أنها ستلعنها.
لكنها رفعت يدها الضعيفة.
تعالي يا ابنتي.
انهارت إنعام قبل أن تصل.
سقطت على ركبتيها قرب السرير وأسندت جبهتهاإلى الغطاء.
سامحيني.
مررت أمي يدها على شعرها.
أنتِ أيضًا كنتِ طفلة.
تلك الجملة حطمتنا نحن الاثنين.
الأشهر التالية كانت عاصفة.
سقط فاضل السامرائي، لكنه لم يسقط وحده.
سقط أطباء، وموظفون، وعناصر شرطة، ومهندسون كانوا يخفون موت العمّال داخل التقارير، ومحاسبون كانوا يغسلون الدم داخل الفواتير.
وُضعت شركة المقاولات تحت التحقيق.
وامتلأت الأخبار بصورته.
أما الضيوف الذين رفعوا كؤوسهم في الزفاف، فصاروا يقسمون أنهم لا يعرفونه.
أنا أدليت بشهادتي عن أبي.
وأمي أدلت بشهادتها عن مصطفى.
أما إنعام، فبقيت ست ساعات كاملة داخل التحقيق دون أن تطلب ماء، ودون أن تخفي ندبتها، ودون أن تُنزل رأسها.
وعندما حاول محامو أبيها وصفها بالمختلة، فتحت دفترها وقرأت لهم كل اسم من الذاكرة.
باعت القصر، والسيارات، والمجوهرات، وبيت المنصور.
وبذلك المال أنشأت صندوقًا لعائلات العمّال الذين ماتوا في مشاريع السامرائي.
دفعت تكاليف علاج أمي كاملة، لكن ليس كصدقة.
فعلت ذلك بأوراق رسمية وأوامر قضائية، كتعويض قانوني.
كان من الممكن إلغاء زواجنا.
المدعية اقترحت ذلك.
وأمي أيضًا.
لا يجب أن يعيش أحد مربوطًا بالخوف قالت لي.
فكرت في الأمر ليالٍ طويلة.
وإنعام أيضًا.
كنا نعيش في شقة بسيطة في الكرادة، بعيدًا عن الحراس والرخام.
هي بدأت العلاج النفسي.
وأنا أيضًا.
هي تعلّمت أن تمشي في الشارع دون أن تخفي جسدها بسترات واسعة.
وأنا تعلّمت أن أرتاح دون أن أشعر بالذنب.
في إحدى الأمسيات وجدتني في المطبخ، أحدق في الصورة الوحيدة التي استعدناها لمصطفى طفل ملفوف ببطانية زرقاء، يشبهني تمامًا.
أحيانًا أشعر أنك تكرهني بصمت قالت.
أحيانًا نعم أجبت بصدق.
خفضت عينيها.
أستحق ذلك.
لا وهذا ما أحاول فهمه.
بقيت صامتة.
وماذا فهمت؟
نظرت إلى صورة أخي.
ثم إلى ندبتها الظاهرة تحت القميص، لأنها لم تعد تخفيها.
فهمت أن مصطفى مات بسبب أبيكِ. لكنه يعيش أيضًا داخلكِ. ولا أعرف ماذا أفعل مع هذه الحقيقة.
بكت بصمت.
وأنا أيضًا لا أعرف.
مرّ عام كامل قبل أن أستطيع لمس يدها دون أن أشعر أنني ألمس قبرًا.
ومرّ عام آخر قبل أن تضحك دون أن تعتذر لأنها تشغل مساحة.
الحب لم يأتِ مثل الروايات.
لم يأتِ مع الموسيقى والوعود.
جاء ببطء.
بخوف.
وبجروح تُفتح ثم تُنظف.
في أحد الأيام ذهبنا إلى المقبرة ووضعنا شاهدًا باسم مصطفى كاظم.
أحضرت أمي وردًا أبيض.
وأحضرت أنا لعبة خشبية كان أبي يحتفظ بها له.
أما إنعام فأحضرت سوار المستشفى.
لا أريد الاحتفاظ به بعد الآن قالت ليس كعقوبة.
دفناه قرب القبر.
حرّكت الريح الأشجار.
أغلقت أمي عينيها.
الآن فقط ارتاح ابناي.
احتضنتها.
ابتعدت إنعام لتتركنا وحدنا، لكن أمي نادتها.
تعالي أنتِ أيضًا.
اقتربت وهي تبكي.
وبعد سنوات، عندما صار الحكم على فاضل السامرائي نهائيًا، ذهبنا نحن الثلاثة إلى المحكمة.
حُكم عليه بعقود طويلة في السجن.
لم يعتذر.
الرجال مثله لا يندمون.
هم فقط يغضبون لأنهم انكشفوا.
وعندما خرجنا، تجمع الصحفيون حول إنعام.
ماذا تقولين لمن كانوا يطلقون عليكِ المرأة ذات المئة والأربعين كيلو؟
أخذت نفسًا عميقًا.
كنت على وشك التدخل، لكنها ضغطت على يدي.
أقول لهم إنني لم أكن نكتة قالت كنت امرأة تحاول النجاة داخل بيت كان كل شيء فيه يتعفن بصمت. وجسد المرأة ليس إذنًا لإذلالها.
لم يضحك أحد.
في تلك الليلة عدنا إلى البيت.
أمي أصبحت قادرة على التنفس دون جهاز لساعات طويلة.
حضّرت قهوة وخبزًا حلوًا.
جلست إنعام بجانبي، متعبة، حرة، وجميلة بطريقة لم يكن أحد في ذلك الزفاف قادرًا على رؤيتها.
مهند قالت بعدما نامت أمي لم يعد عليك أن تبقى معي.
نظرت إليها.
أعرف.
العقد، والتهديد، وكل ذلك انتهى.
أعرف.
إذًا لماذا ما زلت هنا؟
فكرت في ليلة الزفاف.
في الغطاء الذي رفعته.
في الخوف
داخل عينيها.
في أخي المدفون بلا اسم.
في أبي الذي سقط من البناء.
وفي أمي التي سامحت ما لا يُسامح حتى لا تموت من الكراهية.
ثم فكرت في إنعام وهي تقف أمام فاضل السامرائي،ترتجف، لكنها لا تتراجع.
لأنني الآن فقط أختار قلت لها.
نظرت إليّ كأنها لا تفهم معنى أن يختارها أحد.
أمسكت يدها.
وأنتِ أيضًا تستطيعين الاختيار. لستِ مضطرة أن تبقي زوجتي لتدفعي ذنبًا ليس ذنبكِ. ولستِ مضطرة أن تنقذيني أو تختبئي. لكن إذا أردتِ يومًا أن تمشي معي لا كدين ولا كعقوبة فأنا هنا.
أطلقت زفرة طويلة، كأنها كانت تحبس أنفاسها طوال عمرها.
أنا خائفة قالت.
وأنا أيضًا.
لا أعرف كيف أحب دون أن أعتذر.
وأنا لا أعرف كيف أعيش دون أن أحمل موتى داخلي.
ضحكت وسط دموعها.
نحن حالة ميؤوس منها.
جدًا.
أسندت رأسها على كتفي.
لم يكن هناك قبلة.
ليس تلك الليلة.
فقط صمت.
صمت جيد.
صمت بلا تهديدات خلف الباب.
ومع الوقت تعلّمنا.
فتحنا مؤسسة صغيرة باسم مصطفى كاظم.
لم تكن من الرخام، ولم تكن مليئة بصور السياسيين.
كانت مجرد مكتب بسيط، وكراسٍ مستعملة، وقهوة سيئة، وناس يدخلون حاملين ملفات مجعدة يبحثون عن العدالة لعمّال منسيين.
إنعام كانت تراجع الأوراق حتى الفجر.
وأنا كنت أرافق العائلات بين مراكز الشرطة، والمستشفيات، والمشاريع المغلقة.
وكلما سأل أحد كيف بدأت الحكاية، كنت أقول الحقيقة
بدأت بزواج تم شراؤه.
وكانت إنعام تضيف
وبغطاء رُفع في الوقت المناسب.
الناس لم يكونوا يفهمون دائمًا.
لكننا نحن فهمنا.
لأنني في تلك الليلة ظننت أنني سأكتشف عارًا تحت الغطاء.
ظننت أنني سأجد سرًا قذرًا، أو خدعة جديدة من الأغنياء، أو سببًا إضافيًا لأكره المرأة التي وضعوها بجانبي.
لكنني لم أرَ عارًا.
ولم أرَ مرضًا.
رأيت أثر جريمة، واسم أخ، وامرأة حملت داخل جسدها ذنبًا لم يكن يومًا ذنبها.
وعندما رفعنا رؤوسنا أخيرًا، فهمت أن بعض الناس تبدأ حياتهم في اللحظة التي يتوقفون فيها عن طاعة الخوف.
حياتي بدأت عندما عرفت مصطفى.
وحياة إنعام بدأت عندما قالت لا.
أما حياتنا نحن، فقد بدأت بعد ذلك بوقت طويل، في صباح عادي بلا فساتين بيضاء ولا ضيوف يسخرون، عندما خرجت من الغرفة وشعرها منسدل،ونظرت إليّ كأنها لم تعد تحتاج إذنًا لتوجد، ثم سألتني
نمشي؟
مددت يدي إليها.
إلى المكان الذي تريدينه.
هذه المرة لم يسلّمنا أحد.
وهذه المرة لم يشترِنا أحد.
وهذه المرة مشينا وحدنا.





