
كان ابني البالغ من العمر ست سنوات يبكي كلما خلع جوربه
وعرفت الإجابة قبل أن يتكلم.
قال:
“لا.”
صرخت فيه:
“لماذا؟!”
ارتجف صوته وهو يقول:
“لأنني خفت.”
“خفت أن تعرفي أنني أخذته للعب في الشارع.”
“وخفت أن تغضبي مني.”
ثم أضاف:
“وظننت أن الأمر انتهى.”
ساد الصمت.
ثم أكمل:
“في اليوم التالي أخبرني آدم أن الألم ما زال موجودًا.”
“ففحصت قدمه.”
“ورأيت نقطة سوداء صغيرة جدًا.”
تجمدت في مكاني.
لأنني تذكرت تلك النقطة التي رأيتها الليلة الماضية.
قال:
“حينها فهمت أن جزءًا صغيرًا من الشوكة بقي داخل الجلد.”
أغمض عينيه بحسرة.
وأكمل:
“وكان يجب أن أخبرك فورًا.”
“لكنني ارتكبت أغبى قرار في حياتي.”
سألته:
“ماذا فعلت؟”
قال:
“حاولت إخراجها بنفسي.”
وضعت يدي فوق فمي.
أما آدم فبدأ يبكي مجددًا.
وقال:
“كنت خائفًا يا أمي.”
أمسكت يده.
فأكمل محمود:
“كنت أحضر ملقاطًا صغيرًا.”
“وأحيانًا إبرة معقمة.”
“وأحاول إخراج الجزء المتبقي.”
شعرت بالقشعريرة تسري في جسدي.
والآن فقط فهمت كل شيء.
فهمت لماذا كان الألم يزداد بعد كل زيارة.
وفهمت لماذا كان آدم يبكي كلما جاء محمود.
وفهمت لماذا كانت البقع الصفراء تظهر على الجوارب.
قال محمود:
“في البداية كنت أظن أنني سأخرجها خلال دقائق.”
“لكنني كنت أفشل كل مرة.”
“وكلما ضغطت على المكان كان يخرج سائل أصفر.”
أغمضت عيني.
البقع الصفراء.
أخيرًا عرفت مصدرها.
أكمل:
“كنت أمسح السائل.”
“وأطلب من آدم ألا يخبرك.”
“وأقول له إن المشكلة ستنتهي غدًا.”
ثم ضحك بمرارة.
وأضاف:
“لكن الغد كان يجعلها أسوأ.”
نظرت إلى آدم.
فقال وهو يبكي:
“خالي قال لي إنك ستمنعينني من اللعب لو عرفتِ.”
قلت:
“ولهذا رفضت الطبيب؟”
هز رأسه.
وقال:
“كنت خائفًا.”
شعرت بغصة في حلقي.
لم يكن يخاف الطبيب.
كان يخاف مني.
من رد فعلي.
ومن خسارة الشيء الذي كان يحبه.
اللعب.
تنهد محمود وقال:
“كلما جاء الألم كنت أقول لنفسي سأخبرها اليوم.”
“لكنني كنت أتراجع.”
“وكلما تأخرت ازداد الوضع سوءًا.”
ثم رفع رأسه نحوي.
وقال:
“لهذا قلت لك إن الخطأ كله بسببي.”
لم أجد ما أقوله.
كنت غاضبة.
وخائفة.
ومتأثرة في الوقت نفسه.
لكن الأهم من كل ذلك أن قدم آدم كانت تحتاج إلى علاج فورًا.
بعد أقل من ساعة كنا داخل عيادة الطبيب.
جلس آدم فوق السرير الطبي ممسكًا بيدي.
وكان وجهه شاحبًا من الخوف.
أما محمود فجلس في الزاوية وكأنه ينتظر حكمًا عليه.
فحص الطبيب القدم بعناية.
ثم سأل:
“منذ متى بدأت المشكلة؟”
نظرت إلى محمود.
فأجاب بصوت خافت:
“حوالي عشرة أيام.”
هز الطبيب رأسه.
ثم قال:
“السبب واضح.”
وأشار إلى موضع الانتفاخ.
وأضاف:
“هناك جسم غريب ما زال موجودًا داخل القدم.”
شعرت بأن قلبي هبط.
رغم أنني كنت أعرف الإجابة مسبقًا.
أعطى الطبيب آدم مخدرًا موضعيًا بسيطًا.
ثم بدأ العمل.
مرت دقائق طويلة بدت كأنها ساعات.
وأخيرًا رفع الملقاط أمامنا.
وفي طرفه قطعة صغيرة جدًا.
بنية اللون.
تشبه الشوكة اليابسة.
قال الطبيب:
“هذه هي المشكلة كلها.”
حدقت فيها غير مصدقة.
كل هذا الألم.
وكل هذا الخوف.
وكل هذه الليالي.
بسبب قطعة صغيرة بهذا الحجم.
ثم بدأ الطبيب بتنظيف الالتهاب.
وأخرج كمية من الصديد المتجمع تحت الجلد.
وقال:
“لحسن الحظ جئتم في الوقت المناسب.”
“يحتاج فقط إلى العلاج والمضاد الحيوي.”
تنفست للمرة الأولى منذ أيام.
أما آدم فابتسم أخيرًا.
وقال:
“يعني لن تحرقني بعد الآن؟”
ضحك الطبيب وقال:
“لن تحرقك بإذن الله.”
في طريق العودة كان الصمت يملأ السيارة.
آدم يجلس في الخلف.
وقد بدأ يستعيد نشاطه تدريجيًا.
أما محمود فكان ينظر من النافذة طوال الطريق.
وعندما وصلنا إلى المنزل استوقفته قبل أن يغادر.
التفت إليّ بتردد.
وكأنه ينتظر توبيخًا جديدًا.
قلت:
“أنا غاضبة منك.”
خفض رأسه فورًا.
لكني أكملت:
“ليس لأنك أخذته ليلعب.”
رفع عينيه نحوي باستغراب.
فقلت:
“بل لأنك أخفيت الأمر.”
هز رأسه ببطء.
وقال:
“أعرف.”
ثم أضاف:
“كنت أريد إصلاح خطئي وحدي.”
ابتسمت بحزن.
وقلت:
“بعض الأخطاء لا تُصلح بالكتمان.”
“بل بالاعتراف.”
امتلأت عيناه بالدموع.
وقال:
“آسف يا أختي.”
ربتُّ على كتفه.
ثم قلت:
“وأنا أيضًا أخطأت.”
نظر إليّ متفاجئًا.
فأضفت:
“ربما كنت أخاف على آدم أكثر مما ينبغي.”
“حتى جعله يخاف من إخباري بالحقيقة.”
ساد الصمت للحظة





