
اختنا التالته اتوفت
في سن اربعتاشر، تمنيت إن ليلى ترجع تتكلم معايا زي زمان.
ولما وصل عيد ميلادنا الواحد وعشرين، كنت فاكرة إني خلاص اتعلمت أعيش مع الفراغ ده.
بس طلعت غلطانة.
الصبح ده، رحت أنا وليلى بيت أمي عشان نفطر. حضنا بعض حـ,ـضن سريع ومتردد، من النوع اللي بيبان كأنه حذر وخوف أكتر من إنه حب.
أوضة السفرة كانت متزينة ببلالين دهبي.
تورتة صغيرة كانت محطوطة على البوفيه.
وعلى الترابيزة كان فيه تلات أطباق.
محدش فينا نطق بكلمة.
وفي وسط الفطار، دخلت أمي وهي شايلة صندوق خشب صغير ومثبتاه على صدرها. إيديها كانت بتترعش.
حطته وسطنا.
معدتي اتعقدت قبل ما أفهم حتى في إيه.
فوق الصندوق كان فيه ظرف أصفر قديم.
الخط اللي مكتوب بيه خلاني أشرق وأقطع النفس.
كنت هعرف الخط ده لو شفته فين.
”يتفتح في عيد ميلادنا الواحد وعشرين.”
الشوكة وقعت من إيد ليلى.
أمي خبت بوقها والدموع مغرقة عينيها.
همست أمي وقالت: “هي اللي عملت ده قبل ما تمـ,ـوت. قالت لي: هما هيحتاجوني لما يكبروا كمان.”
لأول مرة من سنين، ليلى مدت إيدها تحت الترابيزة.
ولأول مرة من سنين، مسكت في إيدهاجامد.
وبإيدين بتترعش، رفعت الغطا.
واتصدمت.
فتحت الصندوق، ونفسي اتقطع من اللي شفته جوه.
مكانش فيه دهب ولا حاجات غالية، كان فيه ذكريات. تلات أساور خيط كانت هي اللي غازلاهم بإيديها قبل ما تمـ,ـوت، مكتوب عليهم أسامينا احنا التلاتة. وجنبهم ألبوم صور صغير مجمعانا وإحنا بنضحك، وفوقهم تلات جوابات مقفولين، كل جواب مكتوب عليه اسم واحدة فينا، والجواب التالت مكتوب عليه: “ليلى وأختي حبيبتي.. اقروه سوا”
أمي كانت بتعيط بصوت مكتوم وهي شايفانا مذهولين، وليلى مسكت الجواب اللي باسمنا احنا الاتنين وإيدها بتترعش تماماً، وفتحت الورقة الصفرا القديمة.
خط نورا الصغير المهزوز بسبب التعب كان كاتب:
”عارفة إنكم دلوقتي عندكم 21 سنة، وأكيد بقيتم أحلى وأكبر بكتير. أنا مش معاكم بجسمي، بس أنا لسه الحاكمة الرسمية لعالمنا الصغير، وفاكرين؟ السبع دقايق بتوعي لسه بيحكموا! أنا سيبت لكم الصندوق ده عشان أقولكم إنكم مش نصين مكسورين.. أنتوا الاتنين بتكملوا حكاية واحدة أنا عشتها معاكم. بطلوا تبعدوا عن بعض، وافتكروا إن القائد دايماً بيحمي الطرفين.. ودلوقتي دوركم تحموا بعض.”
بصيت لليلى ولقيت دموعها نازلة من غير صوت، ولأول مرة من عشر سنين، الحزن ميبعدناش.. لأول مرة، الوجـ,ـع قربنا. ليلى رمت الجواب واترمت في حضني وهي بتصرخ بالعيان، وأنا حضنتها بكل قوتي، كأننا بنجمع الحتت المكسورة فينا تاني.
أمي قربت مننا احنا الاتنين، وفي اللحظة دي بالذات، وسط الدموع والوجع، حسيت بدفا نورا مالي الأوضة.. وكأنها واقفة وسطنا وبتقول بابتسامتها القديمة: “أنا واقفة في صف السلام”.
فضلنا حاضنين بعض ووقت طويل عدا وإحنا مش سامعين غير صوت نفسنا المكتوم وعياط أمي اللي هدي شوية بشوية. لأول مرة من سنين، البيت مكنش فيه الصمت المرعب دايماً، كان فيه صوت مشاركة.. كأن الحيطة نفسها بدأت تتنفس معانا.
ليلى رفعت راسها من على كتفي، وعينيها كانت حمرا بس كان فيها نظرة صافية ماليهاش الجفا بتاع زمان. مدت إيدها جوه الصندوق وطلعت الأساور الخيط.
خدت الأختام الخيط دي، وبصوابع لسه بتترعش، ربطت واحدة في إيدي، وربطت التانية في إيدها هي. وفضلت الإسورة التالتة، بتاعة نورا، محطوطة في النص.
”إحنا ظلمنا بعض أوي يا ليلى”، أنا اللي نطقت الكلمة دي، وصوتي كانطالع بالعافية.
ليلى هزت راسها ودموعها نزلت تاني: “أنا كنت بهرب منك عشان كل ما ببص في وشك بشوفها.. كنت بحس بذنب إني عايشة وهي لأ. بس نورا مكنتش عايزانا نعمل كده.”
أمي قعدت جنبنا على الكنبة، وخدت الإسورة التالتة وضمتها على قلبها وقالت: “نورا عاشت سبع دقايق زيادة في الأول عشان تعلمكم إزاي تعيشوا العمر كله سوا. الصندوق ده كان أمانة تقيلة عليا، والنهاردة بس حسيت إني نفذت وصيتها.”
بصينا للألبوم الصغير اللي سيباه. فتحناه سوا، صفحة ورا صفحة.. صورنا وإحنا بنجري في الممر، صور ألوان الشمع اللي على الحيطة اللي أمي كانت بتزعق بسببها، وصورة لبابا وهو بيضحك من قلبه ومنور وسطنا. كل صورة كانت بتقولنا إن الخسارة متمحيش الأيام الحلوة، وإن نورا مسبتلكش فراغ، دي سابت لنا عمر كامل نعيشه بقلب واحد.
أمي قامت وجابت الطبق التالت اللي كان على الترابيزة، وحطت فيه حتة من التورتة، وقالت بابتسامة وسط الدموع: “كل سنة وأنتوا طيبين يا بناتي.. كل سنة وأنتوا تلاتة.”
لأول مرة من عشر سنين، طفينا الشمع وإحنا بنبص لبعض ومبتسمين. لأول مرة، متمنيتش إن نورا ترجع.. تمنيت بس إننانفضل دايماً زي ما نورا كانت عايزانا: إيد واحدة، وقلب واحد، ومسؤولين عن بعض.





