
دخل غرفة العمليات
الساعة كانت 217 بعد نص الليل.
ماجد كان لسه مخلص قيصريه لواحدة في التالتة والتلاتين، وقلع الجوانتي ورمى نفسه على الكرسي البلاستيك اللي في أوضة الأطباء في مستشفى الجامعة بطنطا. فنجان الشاي برد على المكتب، والموبايل منور برسالة من أمه نام بدري يا حبيبي.
قبل ما يرد عليها، باب الأوضة اتفتح بعنف.
دكتور ماجد! حالة طوارئ جاية في الإسعاف، نزيف، وطلق مبكر، في اول التاسع !
ماجد وقف وهو لسه بيربط الماسك. دي شغلته. مفيش وقت للتعب.
الاسم؟ السن؟
ولاء السيد عبد الرحمن، 26 سنة، جاية لوحدها مع جارتها، مفيش متابعة حمل عندنا.
دخل أوضة العمليات بسرعة، غسل إيده، لبس الجاون. الست متخدرة نصفي، وستارة خضرا مغطية وشها، وصوت جهاز نبض الجنين شغال.. سريع وخايف.
مساء الخير يا مدام، أنا دكتور ماجد، متخافيش، هنخرج البيبي دلوقتي كويس إن شاء الله.
بدأ يفحص، وسمع صوت مكتوم من ورا الستارة.
صوت عارفه. صوت كان بيسمعه كل يوم لمدة سنتين.
ماجد؟
الدنيا وقفت.
رفع الستارة بإيد بتترعش.
ولاء. بنت عمه ولاء.
وشها شاحب، عرقان، شعرها لازق على خدها، وعنيها اللي كانت بتحبه بتبصله وهي مليانة دموع ورعب.
آخر مرة شافها كانت من 7 شهور، يوم ما رمى عليها اليمين في شقة عمه بعد خناقة كبيرة بسبب الخلفة. انتي مبتخلفيش ومش هتخلفي، قالها. هي سكتت ومشيت. وهو سافر مؤتمر في القاهرة، ورجع لقاها لامة هدومها. طلقها غيابي. لا سأل،ولا دور.
ودلوقتي هي نايمة قدامه على ترابيزة الولادة، وبطنها بتتحرك.
سبع شهور.
طلقها من سبع شهور.
والبيبي ده في التاسع.
الحسبة ضربت في دماغه زي صفارة إنذار. مش محتاجة دكتور عشان يحسبها.
الممرضة دكتور؟ الضغط بيقع! 80 على 50!
ولاء مسكت إيده اللي لابسة الجوانتي، ضوافرها غرزت فيه.
طلعه يا ماجد.. أبوس إيدك طلعه.. مش عايزاه يموت..
ماجد بلع ريقه، وصوت جهاز القلب بقى هو كل حاجة سامعها في الأوضة.
بص في عينيها، وبص للممرضة وقال بصوت أخشن من اللازم
مشرط.
الكلمة طلعت منه ناشفة، كأنه بيحاول يفصل ماجد الدكتور عن ماجد الراجل اللي واقف متسمر قدام طليقته.
الممرضة حطت المشرط في إيده. إيده اللي ولدت مئات الستات قبل كده، أول مرة ترتعش.
دكتور ماجد، الضغط 75 على 45.
ادّيها محلول بسرعة، وحضريلي حقنة الرئة للبيبي.
بص لولاء تاني. عينيها كانت قافلة نص قفلة من البنج، بس لسه مسكاه.
ماجد.. لو جرالي حاجة..
اخرسي. قالها بصوت واطي وهو بيبدأ الفتح. مش هيجرالك حاجة. بطلي دراما.
هو اللي كان بيقولها بطلي دراما زمان، لما كانت تعيط عشان اتأخر في العيادة. دلوقتي الكلمة وقفت في زوره.
أول ما فتح الرحم، المية كانت معكرة. علامة خطر.
جهاز نبض الجنين بدأ يلخبط.
الحبل السري لافف. بسرعة.
مد إيده، بمنتهى الحذر اللي اتدرب عليه عشر سنين، ولف الحبل من حوالين رقبة صغيرة جدا. وسحب.
وفي لحظة، الأوضة كلها سكتت.
كائن صغير، أحمر، مبلول، قد كفين إيد. مغمض. مبيتحركش.
ماجد قلبه وقع في رجله.
الممرضة لفتله بسرعة، نشفته، شفطت. ثانية. اتنين. تلاتة.
وبعدين.. كحة صغيرة مكتومة، وبعدها صرخة. ضعيفة، مبحوحة، كأنها جاية من آخر الدنيا، بس صرخة.
حي.
حطه في الحضانة المتنقلة بسرعة. الواد وزنه قليل، جلده شفاف، نفسه سريع. محتاج حضّانة حالا.
قبل ما ياخدوه، ماجد بص له غصب عنه. ثانية واحدة بس.
مناخيره. نفس مناخيره وهو صغير. نفس الخط اللي بين حواجبه وهو متضايق.
مفيش تحليل DNA محتاجه هنا. الواد نسخة منه، بس على أصغر وأضعف.
ولاء كانت بتعيط من غير صوت، دموعها نازلة على طرف السرير.
هو كويس؟
ماجد مكنش قادر يبصلها. كان بيقفل الجرح بإيد آلية.
في التاسع ، ووزنه كيلو و جرام. هيدخل الحضّانة. حالته مش مستقرة بس عايش.
سكتت شوية، وبعدين قالت بصوت يكاد يكون همس
سميته يوسف. من وأنا في الشهر التاني .
ماجد الإبرة وقفت في إيده.
التاني. يعني هي كانت حامل وهي عندي في البيت. يعني لما قلتلها انتي مبتخلفيش ورميت عليها اليمين.. كانت شايلة ابني في بطنها وساكتة.
قفل آخر غرزة بعنف أكتر من اللازم.
كنتي فين السبع شهور دول؟
عند خالتي .
ومقولتيش ليه؟
ولاء فتحت عينيها وبصتله لأول مرة بصة مش خايفة. بصة مليانة قرف.
وانت سألت؟ انت طلّقتني عشان فاكرني عاقر، وقفلت تليفونك وسافرت. كنت عايزني أجري وراك أقولك استنى ده ابنك؟
جهاز القلب رجع يعمل إنذار منتظم المرة دي. بتاعها هي.
ماجد قلع الجوانتي ورماه، وخرج من أوضة العمليات من غير ما ينطق كلمة. ساب وراه طليقته، وابنه اللي لسه مسمعش صوته، وريحة الدم والبيتادين.
وقف في الطرقة الساقعة، سند ضهره على الحيطة، ولأول مرة من وهو عنده 14 سنة، حس إنه عايز يبكي.
الممرضة خرجت وراه دكتور، أهل الحالة فين نمضيهم على دخول الحضّانة؟
ماجد مسح وشه بإيده.
مفيش أهل. أنا أبوه.
وبدأ يمشي ناحية حضّانة الأطفال، رجليه بتخبط في بعض.
أوضة حضّانة كانت دافية زيادة، وريحتها كحول ولبن. صف طويل من الحضّانات الإزاز، وكل واحدة فيها حكاية لوحدها، وأسلاك وخراطيم طالعة من أجسام قد كف الإيد.
ماجد واقف قدام الحضّانة رقم 4. لابس الجاون الأصفر المعقم، وحاطط إيده في جيبه عشان يبطلها ترتعش.
يوسف نايم على ضهره، مغمض، حاطين على مناخيره حاجة صغيرة جدا بتديه أكسجين، وصدره اللي قد علبة الكبريت بيطلع وينزل بسرعة. لازقين على صدره لزقات، وشاشة فوقه عمالة ترسم خط أخضر طالع نازل.
دكتورة الأطفال بصتله من فوق نضارتها.
يا دكتور ماجد، انت عارف الوضع. 33 أسبوع، وزن قليل، رئته لسه مكملتش. أول 48 ساعة دول هما اللي هيحددوا كل حاجة. ادعيله.
ماجد هز راسه. هو الدكتور اللي بيقول الكلام ده للأهالي كل يوم. أول مرة يسمعه وهو الأب.
ينفع.. ينفع ألمسه؟
آه طبعا، افتح الفتحة الجانبية، بس بالراحة.
مد صباعه السبابة. صباعه اللي لسه من ساعة كان ماسك المشرط. لمس كف يوسف الصغير. الكف كله قفل على طرف صباعه.





