
مراتي ماتت
وهو بيشد طرف المكتب.
أحمد خطف الورقة من إيد المحامي بعصبية.
قرأ الاسم مرة
واتنين
وتلاتة
ثم رفع عينه ببطء.
وقال بصوت مخنوق
خالي خال ماما؟!
الحاج حسن انتفض.
محمود؟!
كان الاسم مكتوبًا بوضوح
محمود عبدالسلام أخو فاطمة.
الرجل الذي كان يدخل البيت من غير استئذان.
الذي كانت الحاجة فاطمة تعتبره سندها الوحيد بعد وفاة والدها.
والذي كان أحمد يناديه منذ طفولته
خالو محمود.
الحاج حسن هز رأسه بعنف.
لا مستحيل.
المحامي دفع الورقة ناحيته.
اقرأ باقي الرسالة.
أخذ الحاج حسن الورقة، وكانت الكلمات بخط فاطمة المرتعش
يا حسن لو وصلت للجزء ده، يبقى عرفت إن ياسمين ما كانتش بتتحرك لوحدها. اللي كان بيديها المعلومات عن أملاكنا، وحساباتنا، وحتى مواعيد علاجى كان أخويا محمود.
سكت حسن.
إيده بدأت ترتعش.
كملت الرسالة
كنت برفض أصدق في الأول، لكن ربنا كشفه بنفسه. يوم ما نمت بعد جلسة الكيماوي، صحيت على صوته في الصالون وهو بيقول لياسمين
اطمني حسن عمره ما بيراجع الورق. أولما فاطمة تموت، هنخليه يبيع البيت بإيده.
الحاج حسن وقع على الكرسي.
يا ساتر يا رب
أحمد كان بيقرأ السطور بعينين مليانين دموع.
أما ياسمين
فأول مرة فقدت أعصابها.
صرخت
هو اللي كان بيكلمني!
هو اللي قال إن ده حق أحمد!
هو اللي كان بيقولي إن الحاج حسن هيبيع كل حاجة ويتجوز بعد وفاة مراته!
نظر إليها أحمد بصدمة.
يعني كل اللي في التسجيلات حقيقي؟
سكتت.
عرفت أنها وقعت.
قالت بسرعة
أنا أنا غلطت.
لكن الكلمة دي كانت متأخرة جدًا.
الحاج حسن وقف ببطء.
اقترب منها لأول مرة.
وقال بصوت هادئ أخافها أكثر من أي صراخ
طول عمرى فاكر إن أكبر وجع في حياتي هو موت فاطمة.
لكن طلع فيه وجع أكبر
إنها كانت بتموت كل يوم وهي شايفة الناس اللي أكلوا من خيرها مستنيين تموت.
انفجرت ياسمين في البكاء.
أنا بحب أحمد.
رد حسن
اللي بيحب عمره ما يعد الأيام لحد ما حد يموت.
الجزء الرابع الأخير
ظل المكتب ساكتًا لعدة ثوانٍ
ثوانٍ كانت كفاية تهد حياة كاملة.
أحمد كان أول واحد كسر الصمت.
بص لياسمين، وسألها بهدوء غريب
قولي الحقيقة مرة واحدة بس.
إنتِ حبيتيني أصلًا؟
ياسمين حاولت تبكي.
حاولت تمسك إيده.
لكنه رجع خطوة لورا.
قالت بصوت مهزوز
كنت بحبك بس كنت خايفة من المستقبل.
ابتسم أحمد ابتسامة كلها وجع.
اللي بيحب حد ما يستناش أمه تموت علشان يعيش.
سكتت.
لأول مرة
ما لقتش كذبة تنقذها.
المحامي قفل ملف الوصية وقال
الحاجة فاطمة عملت صندوق ائتماني قبل وفاتها بتسعة شهور.
البيت هيعيش فيه الحاج حسن طول عمره.
أرض العيلة باسمه.
الفلوس اتقسمت حسب الوصية.
وأي زوج أو زوجة لأي وريث مالوش أي حق قانوني فيها.
شهقت ياسمين.
وقالت بسرعة
أنا مرات أحمد من حقي.
رد المحامي وهو بيدفع ناحيتها نسخة من العقد.
اقري البند الأخير.
مسكت الورق بإيد مرتعشة.
وقرأت بصوت مخنوق
في حالة ثبوت محاولة أي شخص التأثير على الموصية أو السعي للاستيلاء على ممتلكاتها، يُحرم من أي منفعة مباشرة أو غير مباشرة من التركة.
وقعت الورقة من إيدها.
الحاجة فاطمة
كانت متوقعة كل خطوة.
حتى إنكارها.
أحمد خلع دبلة الجواز من صباعه.
حطها على المكتب قدامها.
وقال بهدوء
أنا خسرت أمي.
مش مستعد أخسر نفسي كمان.
شهقت ياسمين.
إنت بتطلقني؟
رد وهو بيبص في عينيها
أنا بطلق الطمع اللي دخل بيتي يوم ما اتجوزتك.
لف ناحية أبوه.
ومسك إيده.
لأول مرة من سنين
الحاج حسن حس إن ابنه رجع له.
خرجوا هما الاتنين من المكتب.
ولا واحد منهم بص وراه.
أما ياسمين
فقعدت لوحدها.
قدامها شنطتها الغالية
ونضارتها الماركة
وأوراق كانت فاكرة إنها هتخليها ست البيت.
لكنها اكتشفت إنها خرجت من اليوم ده
من غير بيت
ومن غير زوج
ومن غير احترام.
بعد شهرين
صدر حكم الطلاق.
وبعدها بأيام، الحاج حسن فتح ورشة النجارة القديمة اللي كانت مقفولة من سنين، وسلّمها لأحمد يديرها بنفسه، تنفيذًا لوصية أمه.
كل يوم الصبح
كان الأب والابن يفتحوا الورشة مع بعض.
وفوق الباب
علق أحمد صورة كبيرة لأمه.
وتحتها كتب جملة بخط إيده
الفلوس ممكن تبني بيت لكن الأخلاق هي اللي تبني عيلة.
وكان كل واحد يدخل الورشة يرفع عينه للصورة
ويعرف إن الحاجة فاطمة، حتى بعد رحيلها
قدرت تحمي بيتها
وتسيب لابنها أهم ميراث في الدنيا
الحقيقة.
تمت.





