
حماتي خارج السيطرة بقلم الكاتبه نرمين عادل همام
حماتي خارج السيطرة بقلم الكاتبه نرمين عادل همام
بسم الله والصلاه والسلام على سيدنا محمد وعلى اله وصحبه وسلم
فوزية كانت واقفة في مطبخ بيت العيلة الكبير في المنيا ريحة البخار اللي طالعة من الحلل كانت بتخنقها زي ما الذكريات بتخنقها. المطبخ ده مكنش مجرد مكان بتطبخ فيه ده كان الشاهد على أيام ضاعت من عمرها وهي بتهد في صحتها عشان ترضي ناس مابيرضوش.
كانت بتبص لقدور الأكل الكبيرة وتشوف فيها عمرها اللي بيغلي على نار هادية. التعب سكن عضمها وعينيها المجهدة مابقتش قادرة تفتح من قلة النوم بس مكنش ينفع تريح دقيقة.. لأن حماتها الحاجة صفية كانت قاعدة برا في الصالة وعينها مابتسيبش المطبخ لو القلية اتأخرت دقيقة بيبقى يومها مش فايت الكاتبة نرمين عادل همام
دخل عليها جوزها منصور وهي مالت براسها مستنية منه أي نظرة حنية كلمة ارتاحي يا فوزية بس هو دخل وهو بيعدل جلبابه وبص لها ببرود
يا فوزية أنجزي يدك أخواتي وخلاتي في الطريق مش عاوزين المغرب يأذن والأكل لسه ماترصش أمي بتقولك المحشي عايز يتسقى دلوقتي.
الكلمات نزلت عليها زي الجمر. هي كانت فاكرة إن رمضان شهر اللمة والرحمة بس اكتشفت إنه بالنسبة لها شهر السخرة. كانت بتشوف الشوارع والبيوت بتتزين بالفوانيسوهي بيتها بيتزين بتعبها ودموعها المستخبية ورا البوتاجاز.
المغرب أذن.. لحظة المفروض الكل بيشكر فيها ربنا لكن فوزية كانت بتجري زي اللي بتسرق لقمة عشان تلحق صلاتها. فرشت سجادتها في ركن في المطبخ وقالت بقلب موجوع الله أكبر.
ما كملتش الفاتحة وسمعت صوت حماتها من برا بيجلجل الكاتبة نرمين عادل همام
يا فوزية! فين العصير يا فوزية الملح ناقص في الشوربة!
يا فوزية! تعالي ناولي منصور المية!
فوزية كانت بتقطع صلاتها وتكملها وهي بتعيط بتسلم وتجري وهي حاسة إن صلاتها مابتطلعش للسما من كتر الوش والطلبات. وف ليلة من كتر التعب قعدت على سجادة الصلاة وسجدت سجدة طويلة.. كانت بتسمع خبط المعالق في الأطباق برا وضحك أخوات منصور وهم بينادوا عليها بكل برود
يا فوزية.. قومي اعملي القهوة! الشاي والقهوة يا فوزية عشان نحبس الأكل قبل ما يكبس علينا!
رفعت راسها من السجود والدموع مغرقة طرحتها وبصت للسما بكسرة وقالت بصوت مخنوق
يا رب.. شهرك شهر فضيل ورحمة على الناس كلها بس عند أهل جوزي ده الشهر اللي بتحول فيه لخدامة مابلحقش حتى أصلي لك ركعتين في هدوء.. يا رب أنا تعبت وماليش غيرك.
وفجأة منصور دخل المطبخ وزعق فيها
إنتي نمتي على السجادة يا فوزية الناس قاعدة مستنية القهوة وانتي هنا بتتدلعي
قامت فوزية وهي جسمها كأنه متكسر وبصت له نظرة أخيرة فيها خيبة أمل السنين كلها وراحت تعمل القهوة بس اللحظة دي كانت هي البداية لنهاية السكوت..
وقفت فوزية لحظة وحست إن الهوا في المطبخ بقى تقيل وكأن الحيطان اللي قضت قدامها سنين بتخدمها مابقتش عارفاها. مابكيتش ولا انهارت لأن الانهيار الحقيقي حصل من زمان وهي مش واخدة بالها المرة دي كانت بس لحظة فوقان.
طلعت أوضتها فوق قفلت الباب براحة وبصت في المراية.. ماشافتوش وجهها شافت السنين اللي سرقها منصور وأهله شافت التنازلات اللي قدمتها باسم الأصول والأمل اللي كانت ماسكة فيه وهو أصلا خيط دايب. قعدت على طرف السرير وخدت نفس طويل وهي بتسأل نفسها أنا إمتى بقيت كدة إمتى بقيت مجرد ضيفة في حياة أنا اللي صانعاها بإيدي
الوجع مكنش في طلباتهم المستفزة الليلة دي بس الوجع كان في السكوت اللي اختارته كل مرة بدل المواجهة في كذبة بكرة يتعدل اللي كانت بتنيم نفسها بيها كل ليلة الكاتبة نرمين عادل همام
لما نزلت فوزية تاني للصالة مكنتش هي هي الست اللي طلعت من شوية. نظرتها اتغيرت مشيتها بقت فيها رزانة غريبة وكأنها فهمت أخيرا إن كرامة الزوجة في رمضان مش مجرد زينة بنتحلى بيها ده حق بيتاخد مش بيستنى حد يمنحه ليها.
قعدت على الكرسي وسطهم مكنتش بتقاوح ولا بتتحدى هي بس كانت بتعلن بوجودها إنها لسه موجودة إنها مش خيال مآتة ملوش لازمة غير في الخدمة. وفي اللحظة دي مكنتش عاوزه تثبت ليهم حاجة كانت عاوزه تثبت لنفسها إن صوتها لسه مامتش.
اللي حصل بعد كدة مكنش مجرد موقف عابر دي كانت نقطة ومن أول السطر. لما حست إنها بتقع الوجع مكنش في جسمها الوجع كان في الحقيقة اللي بانت قدامها عريانة إن السكوت مبيحميش الكرامة ده بس بيأجل لحظة الانفجار.
قعدت في الصالة وبصت للبيت اللي معناه اتغير في عينيها.. مابقاش سكن بقى اختبار لقدرتها على إنها تسترد نفسها. الموبايل كان جنبها ساكت وكأن الدنيا بتديها فرصة تسمع صوتها الداخلي اللي كان مكتوم سنين.
مكنتش خايفة رغم إن اللي جاي ضباب لأن الخوف الحقيقي مش في إنها تعيش لوحدها الخوف إنها تفضل عايشة في وسطهم وهي بتضيع يوم ورا يوم. فهمت إن الكرامة بتبدأ من عندها هي الأول إنها لازم تعترف إنها تستحق أكتر من مجرد البقاء على قيد الحياة.
مع الوقت الصمت اللي حواليها مابقاش تقيل بقى مساحة عشان تتنفس عشان ترتب أفكارها وعشان تعرف هي مين بعيد عن دور الخدامة اللي لبسوهولها. مكنتش عارفة بكرة مخبي إيه بس كانت متأكدة من حاجة واحدة فوزية





