قصص قصيرة

كرسي متحرك

​رديت عليه بابتسامة طالعة من قلبي:
​”أحلى نومة نمتها من ٥ سنين، يمكن عشان الباب مفتوح، والنور داخل بيطمن قلبي.”
​قرب مني وساعدني أقعد على حرف السرير، مسك إيدي وقال بصوت واثق:
​”النهاردة مش تدريب، النهاردة عهد. إحنا هنمشي، مش عشان خاطر الدكاترة قالوا، ولا عشان خاطر الناس، هنمشي عشان خاطر التعب اللي شوفناه سوا، وعشان نثبت لنفسنا إننا أقوى من أي قضاء وقدر.”
​سندني، وبدأت أعتمد على الجهاز اللي صممه، رجليه بدأت تلمس الأرض، الإحساس كان غريب، الأرض تحت رجلي كانت خشنة، واقعية، وحقيقية. أحمد كان بيتحرك معايا في كل مللي، بيحمي ظهري، وبيشجعني:
​”بصي قدامك يا نادية، متخليش عينك على رجلك، خلي عينك على بكره.”
​بدأت أحرك رجلي اليمين، بصعوبة، كأني بحرك جبل، بس لما اتحركت.. سمعت صوت سحبها على السجاد، أحمد ضحك ضحكة قوية، ضحكة فرحة من قلبه:
​”شوفتي؟ شوفتي يا نادية؟ دي الخطوة الأولى.. أول خطوة في طريق الرجوع.”
​ساعتها الدموع خانتني، بس المرة دي كانت دموع فرحة، مش دموع انكسار. بصيت لأحمد، الراجل اللي اختار يشيلني على كفوف الراحة ويشاركني عجزني، وقررت إني هكون قوته زي ما هو كان سندي.
​كملنا التدريب، وكل مرة كنت بقع، كان بيلمني قبل ما المس الأرض، وكل مرة كنت بزهق، كان بيفكرني بالليالي اللي قضاها بيصلح الجهاز عشان بس يشوف اللحظة دي.
​مرت الأيام، وبدأت الخطوات تتحول لمشي بطيء، البيت اللي كان ضيق بسبب الكرسي، بدأ يوسع، بدأنا نتحرك فيه سوا من غير “منحدرات” أو مساعدة إضافية. وذات يوم، وأنا واقفة في نص الصالة، سيبت الجهاز وسندت على إيد أحمد، وقفت لوحدي، جسمي كله كان مفرود، حسيت إني رجعت “أنا” من تاني، مش الست المشلولة، بس نادية، حبيبة أحمد.
​بصيتله وقلتله: “أحمد، أنا آسفة على كل لحظة شك.”
​قرب مني، وباس جبيني بهدوء وقال:
​”مفيش أسف في الحب يا نادية، اللي حصل ده كان ضريبة طريقنا، والحمد لله إننا دفعناها سوا.. ودلوقتي، قوليلي، تحبي نخرج نتمشى في الجنينة؟ من غير كرسي؟”
​ضحكت، ولأول مرة من ٥ سنين، خرجنا من باب البيت، مش رايحين لدكتور أو لمستشفى، خارجين نتمشى.. خطوة خطوة، وإيد في إيد، وبدأنا نعيش حياتنا اللي كنا فاكرين إنها انتهت في لحظة حادثة.
…….
مشيت خطواتي الأولى في الجنينة، الهواء كان خبط في وشي إحساس أول مرة أحس بيه من سنين، حسيت إني “عايشة” مش مجرد موجودة. أحمد كان ماشي جنبي بيبصلي وكأنه بيبص على معجزة، نظراته كانت بتقول كل الكلام اللي مش محتاجين نقوله.
​وقفنا عند الشجرة اللي كنا بنقعد تحتها زمان قبل الحادثة، مسكت إيده بقوة، وبصيت في عينيه وقلتله: “أحمد، أنا عارفة إن الطريق لسه طويل، وإن جسمي لسه محتاج وقت عشان أرجع زي ما كنت.. بس أنا بجد كنت هموت من غيرك، مش بس عشان شلتني، بس عشان خليتني أؤمن إن لسه فيه “بكرة” حتى لما كنت أنا فقدت الأمل.”
​ضحك ضحكة هادية، وطلع من جيبه دبوس صغير كان شايله من يوم الحادثة، كان دبوس هدوم ضاع مني في العربية، رجعهولي في إيدي وقال: “أنا مكنتش بصلح جهاز يا نادية، أنا كنت بصلح حتة من روحي اللي اتكسرت لما وقعتي. كنت بصلح “أنا”، عشان أقدر أرجع أكون جوزك اللي يستاهلك.”
​قعدنا على الكرسي الخشب، وسندت راسي على كتفه زي زمان. الدوشة اللي كانت بتملا البيت، والخوف اللي كان بيسكن قلبي، كل ده اختفى. مكنش في لا أبواب مقفولة ولا أسرار، كان فيه بس اتنين قرروا يحبوا بعض في العجز قبل القوة.
​بصيت للسما، وشكرت ربنا على “أحمد”، وعلى “الحادثة” اللي رغم وجعها، خلتني أعرف قيمة الراجل اللي معايا، وخلتني أفهم إن الحب الحقيقي مش هو اللي بيفضل موجود في الرخاء، الحب الحقيقي هو اللي بيفضل بيحفر في الصخر عشان يرجعلك الابتسامة لما الدنيا كلها تقرر تاخدها منك.
​مسكت إيده وبصيتله: “الجهاز اللي في الأوضة التانية.. هنعمل بيه إيه؟”
​غمزلي وقال: “هنسيبه هناك، عشان كل ما نعدي قدام الأوضة دي نفتكر إننا لو وقعنا، هنعرف نقوم.. وهنعرف نقوم سوا، زي ما قومنا المرة دي.”
​ومن يومها، الباب بتاع أوضة الضيوف مبيتقفلش أبداً، وكل ما بنعدي جنبه، بنفتكر إن أصعب الأيام هي اللي بتبني أجمل الحكايات، وإحنا.. حكايتنا لسه في أول سطر في صفحة جديدة، صفحة مفيش فيها غير إيدين ماسكة بعض، وخطوات واثقة، وأمل مبيخلصش.
تمت

الصفحة السابقة 1 2 3

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى