
خصلات الذهب والسر المجهول
قبل سنة واحدة، كانت حياتي تسير في خط رفيع وهادئ بين جدران بيتنا الصغير. أنا وبنتي نور عشنا معًا نواجه الدنيا بقلبين وجسد واحد، وذلك بعد أن خطف الموت زوجي وشريك عمري في حادث سيارة مروع ونور ما زالت طفلة تحبو. منذ ذلك اليوم، تعاهدت مع نفسي أن أكون لها الأب والأم، والسند الذي لا يميل. كنت أعمل لساعات طويلة في مكتبة أدوات مكتبية صغيرة براتب يكفينا بالكاد، لكن رؤية ابتسامتها عند عودتي للمنزل كانت تمحو كل ذرة تعب في جسدي. غير أن القدر كان يخبئ لنا منعطفًا لم نكن نتخيله أبدًا. بدأت أشعر بإعياء شديد، وخمول يزحف إلى أطرافي، وظننت في البداية أنه مجرد إرهاق ناتج عن ضغط العمل المستمر. لكن مع تكرار نوبات الألم، قررت الذهاب إلى الطبيب، وهناك سقطت الصاعقة التي زلزلت كياني؛ لقد تم تشخيصي بنوع شرس من مرض السرطان.
الخبر في حد ذاته كان حكمًا بالموت المؤجل، لكن الوجع الأكبر كان يكمن في التفاصيل؛ إذ تبين أن التأمين الصحي الخاص بوظيفتي البسيطة لا يغطي سوى ربع تكاليف العلاج وجلسات الكيماوي الشاقة. لم يكن أمامي خيار سوى الاستمرار في العمل رغم النحول والألم الذي يفتت عظامي، كنت أذهب إلى المستشفى لأخذ الجرعة، ثم أعود في اليوم التالي للمكتبة لأقف على قدمي أبيع الدفاتر والأقلام، متظاهرة بالقوة. في تلك الأيام، كنت أرى الخوف يلمع في عيني نور؛ كانت تراقبني بصمت، تلاحظ شحوب وجهي، والنقص الحاد في وزني. كلما اقتربت مني وسألتني بصوت مخنوق بالدموع أمي، هل ستكونينبخير؟ هل ستتركينني مثل أبي؟، كنت أبلع غصتي، وأرسم على شفتي ابتسامة مصطنعة وأقول لها سأكون بخير يا نبض قلبي، أنا قوية وسأتغلب على هذا المرض من أجلك.
لكن الكيماوي لا يرحم الأسرار؛ فبعد الجرعة الثالثة، بدأ شعري الطويل الذي كنت أعتز به يتساقط بشكل مرعب. كنت أستيقظ لأجد خصلات كاملة على وسادتي، حتى اضطررت في النهاية إلى قصه تمامًا ليصبح رأسي عاريًا كأيام ولادتي. لم أكن أملك ترف شراء باروكة من الشعر الطبيعي، فأسعارها كانت تفوق راتبي لأشهر مجتمعة، لذا استعنت ببعض الإيشاربات وأوشحة الرأس الملونة لأخفي خلفها معالم المرض التي بدأت تلتهم أنوثتي وملامحي. وفي يوم من الأيام، عادت نور من المدرسة، وكانت تخفي خلف ظهرها شيئًا ما، وعيناها تشعان ببريق غريب يمزج بين الفرح والترقب. مدت يدها إليّ بعلبة كرتونية أنيقة، وحين فتحتها، اتجمدت الدماء في عروقي؛ كانت هناك باروكة من الشعر الطبيعي الناعم، بلون كستنائي دافئ. عرفت ذلك الشعر فورًا.. إنه شعر نور!
رفعت كاب التزلج الذي كانت ترتديه فوق رأسها، لتسقط الدموع من عيني دون إرادة؛ لقد كان شعرها متقصوصًا بشكل قصير جدًا وقاسٍ. لساني انعقد تمامًا، وشعرت بغصة خنقت حنجرتي. تلمست رأسها الصغير وسألتها بنبرة ترتجف يا حبيبتي.. ما الذي فعلتيه بنفسك؟. ابتسمت نور ودموعها تسيل على خديها وقالت يا أمي، أنا أعلم كم كنتِ تحبين شعرك، وكم كنتِ تبكين سرًا في الليل عندما تساقط. نحن لا نملك المال لشراء باروكة، لذا ذهبت إلى الكوافيرة في الحي، وطلبت منها أن تقص شعري بالكامل وتصنع منه باروكة تليق بوجهك الجميل. في تلك اللحظة، انهرت تمامًا، وارتميت في حضنها أجهش بالبكاء، معتذرة لها عن ضعفي وعن المرض الذي جعلها تكبر قبل أوانها وتضحي بأجمل ما تملك فتاة في عمرها. تملكني شعور بأن هذا الحب النقي الذي جمعنا هو دواء أقوى من كل العقاقير، واعتقدت واهمة أن فصول المعاناة قد بلغت ذروتها هنا، لكنني كنت مخطئة تمامًا، فالكابوس الحقيقي كان يستعد لفتح أبوابه في اليوم التالي.
في الصباح، ارتدت نور الكاب الخاص بها وذهبت إلى مدرستها الإعدادية كالمعتاد، وذهبت أنا إلى عملي والباروكة الجديدة تمنحني مظهرًا صحيًا مزيفًا. بعد مضي بضع ساعات، رن هاتفي المحمول، وكان المتصل هو إدارة المدرسة. ما إن فتحت الخط حتى جاءني صوت المديرة مرتجفًا، ومشحونًا بتوتر غير طبيعي، وقالت بلهجة حاسمة ومذعورة السيدة نجوى؟ يجب أن تأتي إلى المدرسة حالًا وبأقصى سرعة.. هناك ضباط من رتب رفيعة وجنود يملأون المبنى، وهم يبحثون عن ابنتك نور ويحققون معها!. سقط الهاتف من يدي، وشعرت بأن الأرض تدور بي، أي ضباط وأي مصيبة حلت برأس ابنتي اليتيمة؟ هرعت إلى الخارج، واستقللت أول سيارة أجرة وأنا أدعو الله وأبكي بحرقة، محاولة استيعاب ما يحدث.
عندما وصلت إلى المدرسة، كان المشهد مرعبًا؛ سيارات شرطة سوداء تقف أمام البوابة الرئيسية، والمعلمون يقفون في الممرات يتهامسون بنظرات ملؤها الخوف والفضول. دلفت إلى مكتب المديرة بخطوات متعثرة، وما إن فتحت الباب حتى وجدت ثلاثة ضباط يرتدون ملابس رسمية داكنة، وعلى وجوههم صرامة شديدة. وفي زاوية الغرفة، كانت نور تجلس على كرسي خشبي، جسدها الضئيل يرتجف، ووجهها مغطى بالحمرة الناتجة عن الخوف والإحراج الشديد، وكانت تمسك بأطراف سترتها بقوة. التفت إليّ أحد الضباط، وكان يبدو أنه القائد نظراً للشارات التي تعلو كتفه، وبص لي بنظرة فاحصة واخترقني بسؤاله هل أنتِ والدة الطالبة نور؟ هل لديكِ علم بما فعلته ابنتك يوم أمس؟. رددت بنبرة تتوسل الأمان والله يا سيادة الضابط ليس لي أي علم، ابنتي فتاة طيبة وهادئة ولا تؤذي نملة، أرجوكم أخبروني ماذا حدث؟. تنهد الضابط بعمق، وأشار إلى المديرة لتغلق الباب، ثم قال بصوت خفيض وعميق إذن، يبدو أنكِ ضحية لجهل ابنتك العفوي.. استمعي للحقيقة.
تابع الضابط حديثه قائلًا يوم أمس، توجهت ابنتك إلى صالون حلاقة للسيدات يقع في أطراف الحي، وطلبت من صاحبة الصالون قص شعرها بالكامل لصناعة باروكة لكِ. حتى الآن، يبدو الأمر عملًا إنسانيًا نبيلًا من طفلة لأمها. لكن ما لم تكن ابنتك تعلمه، أن هذا الصالون كان تحت مراقبتنا اللصيقة منذ ثلاثة أشهر. صاحبة الصالون ليست مجرد حلاقة، بل هي عضو أساسي في شبكة دولية منظمة لتهريب الآثار النفيسة والمجوهرات المسروقة. طريقتهم في التهريب كانت مبتكرة وشيطانية؛ كانوا يقومون بحشو الباروكات المصنوعة من الشعر الطبيعي بقطع أثرية صغيرة، وأحجار كريمة مهربة، خفيفة الوزن وباهظة الثمن، ثم يشحنونها إلى الخارج تحت غطاء هدايا





