
اشتريت دبدوب لبنتى
اشتريت لابنتي دبدوبًا من سوقٍ شعبي قبل سنواتٍ بعيدة، ولم أكن أدري أن تلك الهدية البسيطة ستصير أثمن ذكرى، وأنني بعد رحيلها سأكتشف سرًا صغيرًا أخفته بداخله.
قبل نحو عشر سنوات، كنت أبدأ حياتي كسائق شاحنة، والرزق على القد، لكن عيد ميلادها الرابع اقترب، وقلبي كان مصرًا أن أعود إليها بشيءٍ يليق بفرحة طفلة تنتظر مفاجأة.
توقفت عند سوقٍ مزدحم، بين أصوات الباعة ورائحة الزمن القديم، فرأيت دبدوبًا أبيض كبيرًا، بدا لي مثاليًا، كأنه يناديني، فاشتريته وأنا أتخيل ضحكتها حين تحتضنه بسعادةٍ خالصة.
حين قدمته لها، أضاء وجهها بفرحٍ صافٍ، وضمت الدبدوب إلى صدرها كما لو كان كنزًا، ثم صار رفيق نومها ولعبها، وأقرب أشيائها إلى قلبها الصغير كل يوم.
وفي كل رحلةٍ طويلة، كانت تضعه بين يدي، تعصره بحنانٍ طفولي، وتقول بثقةٍ دافئة: خذه معك يا أبي، سيحرسك على الطريق.
وفعلت كما أرادت، فسنواتٌ مضت والدبدوب يجلس صامتًا على مقعد الراكب في شاحنتي، يشاركني الطرق والوحدة، ويحمل معي بقايا ضحكاتٍ لم تغادر روحي أبدًا.
سافرنا تقريبا البلاد كلها معا، طرق طويلة ومحطات لا تنتهي، وضحكتها تملأ الكابينة دفئا؛ وعندما كنت ارجع للبيت كانت تقول لي بحب طفولي صادق ان دبدوبتها حمتني وذكرتني بها دائما.
كبرت، وتغيرت اهتماماتها، لكنها ظلت تسخر من تمسكي بذلك الدب القديم، تضحك وانا اضحك، كأن المزاح الصغير بيننا خيط سري يشد قلبي نحوها مهما ابتعدت المسافات والايام والطرق.
ثم جاء المرض بلا رحمة، سنوات ثقيلة من الامل المكسور، حتى رحلت وهي في ربيع عمرها، وتركتني واقفا امام فراغ لا يرد السلام ولا يجيب الدعاء ولا يفهم معنى النجاة بعدها.
بعد الوداع، لم يعد الهواء يكفيني، البيت صار صامتا بشكل مؤلم، وكل شيء يذكرني بها؛ كنت اتحرك كظل،اتجنب المرايا، واخاف النوم، واخشى صباحا جديدا بلا صوتها ولا خطواتها ولا عنادها الجميل.
عدت للشاحنة اخيرا، لا شجاعة بل هروبا، فقط لامتلك سببا لمغادرة الجدران؛ الطريق كان قاسيا لكنه ارحم من السكون، ارحم من كرسي فارغ وصورة تبتسم ولا تتكلم ولا تعود ابدا.
في صباح باهت، مددت يدي نحو المقعد المجاور، ابحث عن الدب كعادتي، فلم اجده؛ تسارعت نبضاتي، كأنني فقدتها مرة اخرى، كأن الغياب قرر ان يختبر قلبي الجريح من جديد بقسوة.
وجدته اخيرا بين الحقائب، ضممته بلا وعي، اعتذرت له كأنه يسمعني؛ كان الشيء الوحيد الذي يجعلني اشعر انها ما زالت هنا، تراقبني، تبتسم، وتسامح ضعفي وتربت على روحي المتعبة.
عندما وضعته على المقعد، سمعت صوت تكسير خافت، دقيق لكنه مرعب؛ توقفت، نظرت اليه بقلق، وقلبته بيد مرتجفة، فلاحظت شقا غير متكافئ في ظهره، كجرح قديم انفتح فجأة.
فتحتهببطء، وانفاسي تتقطع، فوجدت ظرفا صغيرا ومسجلا صوتيا؛ شعرت ببرودة تسري في عروقي، وجلست عاجزا عن الحركة، كأن الزمن توقف ينتظر شجاعتي التي لم تكن موجودة اصلا.
ضغطت زر التشغيل، واهتز عالمي مع اول همسة خرجت؛ امتلأت عيناي بالدموع، وتمتمت بصوت مكسور موجوع: كيف اخفيت عني هذا السر.
ارتعشت يدي بعنف، أصابعي لم تعد تطيعني، وكدت اسقط المسجل من بين كفي؛ لكن صوتها خرج، حيًا، دافئًا، قويًا، كأن الموت لم يمر من هنا، كأنها تجلس جواري الآن.
لم يكن ذلك الصوت المتعب المبحوح الذي عرفته في أيامها الأخيرة؛ كان صوتها الحقيقي، ضاحكًا، مشاكسًا، مليئًا بتلك الحياة التي سرقها المرض، وأعادها التسجيل إليّ دفعة واحدة موجعة.
قالت بهدوء اخترق صدري: إذا كنت تسمعني، فقد وجدت ما أخفيته لك؛ خيط الأسنان لن يصمد للأبد، كنت أعلم، وكنت أعلم أيضًا أنك ستفتش عني يومًا.
ابتسمترغم دموعي، لأنها كانت تعرفني دائمًا أكثر مما أعرف نفسي؛ تعرف أنني أقود عندما





