قصص قصيرة

خصلات الذهب والسر المجهول

ومستلزمات تجميل، أو يسلمونها لأشخاص محددين يرتدونها أثناء السفر عبر المطارات فلا تكتشفها أجهزة الفحص العادية بسهولة.
شعرت في تلك اللحظة كأن الهواء قد سُحب من صدري تمامًا، وبدأت أتنفس بصعوبة. كمل الضابط كلامه والشرر يتطاير من عينيه عندما دخلت نور إلى الصالون، كانت هناك عملية تسليم تجري في الغرفة الخلفية. ارتبكت صاحبة الصالون، وخوفاً من أن تكون الفتاة قد رأيت شيئًا أو كشفت أمرهم، قررت استغلال نور بطريقة خبيثة. قامت بقص شعر نور، وصنعت الباروكة بسرعة، لكنها زرعت في بطانتها الداخلية، بين طبقات القماش والشعر المثبت، ألماسة تاريخية زرقاء تُقدر قيمتها بملايين الدولارات، سرقت من متحف وطني قبل أسبوعين. صاحبة الصالون خططت لإرسال رجالها ليلاً لسرقة الباروكة من منزلك، أو مساومتك عليها، متوقعة أنكِ لن تكتشفي وجود الحجر الثمين. لكننا داهمنا الصالون فجر اليوم، وقبضنا على العصابة، ومن خلال التحقيقات والاعترافات السريعة تحت الضغط، أقرت المتهمة أنها وضعت الألماسة في الباروكة التي استلمتها ابنتك. نحن هنا ليس لمعاقبة نور، بل لحمايتها، ولتأمين القطعة الأثرية فوراً قبل أن تتحرك بقية أفراد الشبكة للوصول إليكم.
التفت الضابط نحو نور وقال بلطف هدأ من روعها قليلاً لقد شرحت لنا نور كل شيء، والآن يا سيدة نجوى، أين هي الباروكة؟. كانت الصدمة قد شلت أطرافي، لكن غريزة الأمومة أيقظتني؛ أشرت بيدي إلى رأسي وقلت بصوت مبحوح إنها.. إنها فوق رأسي الآن.. أنا أرتديها. تبادل الضباط النظرات السريعة، وطلب مني القائد باحترام أن أخلعها. رفعت يدي المرتعشتين، ونزعت الباروكة عن رأسي العاري المستدير، وسلمتها له. أخرج الضابط من حقيبته ملقطاً دقيقاً وشفرة صغيرة، وبدأ بفك الخيوط الداخلية للبطانة بحذر شديد أمام أعيننا الذهيلة. وبعد دقيقتين من العمل الدقيق، ظهر حجر أزرق متوهج، يقطع الأنفاس بجماله وبريقه، كان يختبئ في عمق الشعر الذي نبت من رأس ابنتي.
تنفس الضابط الصعداء، ووضع الألماسة في كيس بلاستيكي مخصص للأدلة، ونظر إليّ بابتسامة دافئة خففت من وقار بدلت العسكرية وقال لقد أنقذتِ أنتِ وابنتك كنزاً وطنياً. لولا اعتراف المرأة السريع، ولولا تعاونكم، لكانت حياتكما في خطر شديد من هذه العصابة الشرسة. بقيت في مكتب المديرة لبعض الوقت حتى انتهت الإجراءات الرسمية، وتم نقلي أنا ونور بسيارة الشرطة إلى منزلي لتأميننا وضمان عدم وجود أي تهديد متبقٍ.
مرت الأيام بعد تلك الحادثة المرعبة، وظننت أننا سنعود إلى فقرنا وصراعنا مع المرض، ولكن عدالة السماء كانت واسعة؛ فبعد أسبوعين، تلقيت اتصالاً من وزارة الثقافة والجهات المسؤولة، يعلنون فيه منحنا مكافأة مالية ضخمة نظير أمانة نور ومساعدتنا في استعادة الأثر المفقود. كانت تلك المكافأة كافية لتغطية كامل تكاليف علاجي في أفضل المستشفيات المتخصصة، بل وتأمين مستقبل ابنتي بالكامل. خضعت للعلاج والرعاية الطبية اللازمة، وبدأت أتماثل للشفاء بفضل الله ثم بفضل خصلات شعر ابنتي التي، وإن قُصت وغادرت رأسها، فقد حفرت لنا طريقاً جديداً للحياة والنجاة.
لم تكن تلك المكافأة المالية ونهاية التحقيقات الرسمية سوى الستار الذي أُسدل على الفصل الأول من حكايتنا، فما تلا ذلك من أحداث كان بمثابة حياة جديدة كُتبت لنا من رحم المعاناة والخوف. بعد أن استلمنا قيمة المكافأة، تبدلت أولوياتنا تمامًا؛ لم يعد الهم الشاغل هو كيف سنؤمن ثمن الجرعة القادمة من الكيماوي، أو كيف سأدفع إيجار الشقة الصغيرة في نهاية الشهر. نقلتني نور فورًا إلى مستشفى تخصصي متقدم، حيث حظيت برعاية طبية على أعلى مستوى، وبدأ الأطباء بروتوكولاً علاجياً مكثفاً يناسب حالتي التي كانت قد تدهورت بسبب الإهمال وضغط العمل.
خلال تلك الفترة، كانت نور بمثابة ملاكي الحارس. كبرت ابنتي في غضون أسابيع قليلة لتصبح امرأة مسؤولة تدير شؤون المنزل والمستشفى، تنسق مع الأطباء، وتتابع مواعيد الأدوية بدقة متناهية. كانت تأتي إلى غرفتي في المستشفى محملة بكتبها الدراسية، تجلس بجانب فراشي تدرس وتستذكر دروسها، وكلما فتحت عيني ووجدتها أمامي برأسها الذي بدأ شعرها ينبت فيه مجدداً كخيوط من الحرير القصير، كان قلبي يمتلئ بيقين مطلق بأنني سأهزم هذا المرض، ليس من أجلي، بل من أجل هذه الطفلة التي ضحت بكل شيء من أجلي.
بعد مرور ستة أشهر من العلاج المستمر والعمليات الجراحية، زف إلينا الطبيب المعالج الخبر الذي انتظرناه طويلاً أبشري يا سيدة نجوى، التحاليل والأشعة الأخيرة تثبت أن جسدك خاض معركة شرسة وانتصر فيها.. أنتِ الآن في مرحلة التعافي الكامل Remission، والسرطان تراجع تماماً. انهرت ونور في بكاء مرير، لكنه كان بكاء الفرح والارتياح، فرحة العودة إلى الحياة من حافة القبر.
عندما عدنا إلى بيتنا، قررنا أن نترك خلفنا كل ذكريات الألم. استخدمنا جزءاً من المكافأة لتجديد البيت وتغيير أثاثه القديم الذي شهد على ليالي البكاء والمرض. كما قمت بتقديم استقالتي من المكتبة الصغيرة، وافتتحت بمشاركة نور مشروعاً خاصاً بنا؛ مكتبة ومركزاً ثقافياً صغيراً لتعليم الأطفال الرسم والقراءة في حينا، أطلقنا عليه اسم خصلات الأمل.
أما بالنسبة للباروكة التي بدأت منها كل هذه الفوضى، فقد أعادتها إلينا الشرطة بعد انتهاء المحاكمة وإدانة أفراد العصابة، بعد أن أزالوا منها بطبيعة الحال الألماسة الزرقاء. لم أرتدِها مجدداً، بل وضعناها في صندوق زجاجي أنيق في صدر صالة منزلنا، لتظل شاهداً حياً على تضحية ابنة أنقذت حياة أمها، وعلى تدبير القدر الذي جعل من خصلات شعر بسيطة سبباً في كشف شبكة تهريب دولية، وتحويل مسار حياتنا من الظلمة إلى النور.
اليوم، وأنا أنظر إلى نور وهي تستعد لدخول مرحلة دراسية جديدة، بشعرها الكثيف الذي عاد ينسدل على كتفيها بطول وجمال يفوق ما كان عليه، أعلم تماماً أن المعجزات لا تحدث فقط في الحكايات الخرافية، بل تصنعها القلوب النقية التي تحب دون شروط، وتضحي دون مقابل.

الصفحة السابقة 1 2

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى