
جوزي والبحر من حكايات زهرة الربيع
أنا من كتر الرعب، رجعت لورا بسرعة، وشربت ميه وكنت هغرق بجد، بس غريزة البقاء خلتني أعوم بكل قوتي تحت الميه عشان ميرانيش ولا يحس بيا. سبقتو على الشط بمسافة، وطلعت وكنت بترعش وخلايا جسمي كلها بتصرخ. ارتميت على الرملة جنب جارتي والعيال، وكنت بحاول أخد نفسي وأبين إني كنت بعوم عادي.
وبعدها بدقائق، ظهر كريم.. نفس المنظر الكابوسي. بيجري وسط الميه، وشه أزرق، وعينيه مبرقة بيشاور وراه ويقول: “هناك.. هناك!” ويطب ساكت على الرملة.
المرة دي، وأنا بجري عليه مع الناس، مكنتش خايفة منه، كنت مرعوبة “عليه”. الناس فوقوه، ورجعنا البيت. طول الطريق وأنا ببص له وهو قاعد في التاكسي، دبلان، مكسور، وعينيه زايفة. أول ما دخلنا البيت وقفلنا الباب، والعيال دخلوا أوضتهم، وقفت قدامه.
كريم قعد على الكنبة وحط راسه بين إيديه وهو بيترعش. أنا مقدرتش أستحمل، مشيت ناحيته، وبنبرة صوت حاسمة ومفيهاش أي مجال للهروب، قلت له:
”كريم.. أنا شفتها.”
كريم رفع
راسه فجأة، وشه اصفر أكتر ما هو أصفر، وعينيه وسعت برعب:
”شفتي.. شفتي إيه؟”
”شفت الست اللي تحت الصخرة. شفت إيدها، وشفت القلادة اللي ادتهالك. متكذبش عليا يا كريم، إيه اللي بيحصل؟ أنت بتموت قدامي كل يومين، وإنت اللي بتجري برجليك للموت!”
كريم انهار، دموعه نزلت بغزارة، وبدأ يتكلم بصوت متقطع، صوت راجل مكسور من جواه:
”يا ناهد.. أنا
مش بإيدي.. والله العظيم مش بإيدي! الموضوع بدأ من شهرين، لما كنت بعوم غريق ولقيت الصخرة دي. كنت فاكرها صخرة عادية، بس لقيت صندوق صغير قديم قوي محشور تحتها. فضولي خلاني أفتحه، كان جواه القلادة دي. أول ما لمستها، ظهرتلي. مكنتش وحشة في الأول يا ناهد، كانت بتكلمني بصوت ناعم في دماغي، بتقولي إنها حارسة البحر، وإنها هتديني رزق وخير ملوش أول من آخر بس بشرط.. أجيلها كل يومين أأكلها من دمي!”
أنا شهقت وحطيت إيدي على بقي: “دمك؟!”
كريم كمل وهو بيبكي: “في الأول رفضت، بس القلادة دي طلعت لعنة. بتخليني أشوف كوابيس بالليل، بشوف البيت ده وهو بيتحرق، وبشوفك إنتي والعيال وبتغرقوا قدام عيني وصوتها بيصرخ في ودني: ‘لو مجيتش، هاخدهم هما بدل الدم’. بقيت مجبر أروح.. أول ما بنزل الميه، السحر بياخدني لحد عندها، تمد إيدها، تاخد دم من صوابعي بمخالبها، بس اللعنة إن أول ما الطاقة بتاعتها تلمسني عشان تاخد الدم، عقلي بيرجعلي فجأة وأشوف حقيقتها المرعبة! وشها بيتحول لجمجمة، والميه حواليها بتبقى دم، فبطلع أصوت وأنا مش قادر أتحكم في أعصابي، ويغمى عليا من كتر
الرعب والطاقة اللي بتسحبها مني!”
فضلت واقفة مكاني، مش قادرة أصدق إن جوزي الطيب، حبيب عمري، عايش في الكابوس ده لوحده عشان يحمينا. سألته بلهفة:
”والحل يا كريم؟ هنفضل كده لحد ما تموت في إيدها؟”
”القلادة.. القلادة هي الرابط.
طول ما القلادة في البيت أو معايا، هي تقدر توصلي وتقدر تأذينا. بس أنا مش قادر أرميها، كل ما أجي أرميها في الزبالة أو في أي حتة، أصحى الصبح ألاقيها تحت مخدتي!”
قلت له بقوة وعزيمة معرفش جتلي منين: “وريهالي.”
كريم طلع القلادة من جيبه بتردد. كانت عبارة عن حجر أسود غريب، عليه نقوش شبه الموج بس شكلها كئيب، وطالع منها ريحة شبه ريحة السمك الميت والميه المالحة الراكدة. أول ما مسكتها، حسيت برعشة ضربت في ضهري، وكأن فيه صوت همس خفي في ودني بيقولي: “سيبيه.. ده بتاعي.”
رميت القلادة على الترابيزة وقلت: “اللعنة دي لازم تنتهي. طالما هي كائن من البحر، يبقى لازم القلادة دي تدمر برة البحر، وبعيد عن الميه خالص.”
قضينا الليلة دي في رعب، كريم كان نايم وجسمه بيترعش وسخن مولع، وأنا قاعدة جنبه، عيني على القلادة اللي على الترابيزة، وحاسة إن الحجر الأسود ده بيتحرك أو بيطلع منه ضل خفيف على الحيطة.
تاني يوم الصبح، أخدت القرار. كلمت شيخ من معارفنا القدام، راجل صالح وبيفهم في الأمور دي، وجبته البيت من غير ما كريم يعرف. الشيخ أول ما دخل الصالة وبص للقلادة، وشه اتغير واستعاذ بالله.
قعد وقرأ قرآن كتير، والموضوع مكنش سهل، كنا سامعين صوت خبط على بيبان الشبابيك
كأن فيه موج عالي بيضرب في البيت، رغم إننا كنا في عز الظهر والشمس طالعة! الشيخ قالنا: “القلادة دي مربوطة برصد
بحري قديم، وميه البحر هي اللي بتغذيها. عشان نخلص منها، لازم تتدفن في رملة صحرا ناشفة، مبيوصلهاش ميه أبدًا، بعد ما تتقرأ عليها آيات فك السحر، وتتكسر لـ مية حتة.”
وفعلاً، الشيخ بدأ يقرأ بنية وفضل يكب ميه مقري عليها قرآن فوق القلادة، والحجر الأسود بدأ يطلع منه صوت زي الفحيح، وريحة زفارة الشط ملأت الأوضة لدرجة الخنقة. وفجأة، الشيخ مسك شاكوش وضرب القلادة بكل قوته وهو بيسمي.. الحجر اتفلق نصين، ومع فلقته، سمعنا صوت صرخة مكتومة جاية من بعيد.. كأنها جاية من قاع البحر!
أخدنا الفتافيت دي كلها، وسافرنا بيها في نفس اليوم لمنطقة صحراوية بعيدة ورا برج العرب، حفرنا حفرة غريقة في الرملة الناشفة اللي مفيهاش نقطة ميه، ودفناها هناك ورجعنا.
لما رجعنا، كريم كان كأنه واحد تاني. الوش الشاحب رجعله دمويته، وعينيه بقت صافية. مرت يومين، وتلاتة، وأسبوع.. وكريم مطلبتش نروح البحر!
الشهر اللي فات كان هادي، كريم رجع يضحك، والعيال رجعوا لحضن أبوهم. بس الغريب.. إننا لحد النهارده، لما بنقف في البلكونة بالليل ونبص للبحر وهو ضلمة كحل، بنسمع صوت موج غريب.. موج بيضرب في الصخر اللي تحت بيتنا بصوت منتظم، كأنه بينادي.. كأنه بيقول “كريم.. كريم..”
احنا قفلنا الشبابيك بالخشب، وقررنا نعزل من البيت ده قريب جداً.. لأن البحر اللي عشناه طول عمرنا بنحبه، مبقاش أمان، والسر اللي تحت الصخرة.
.
لسه مستني اللي ينزل له!





