
أقرب صاحب ليا اتجوز أختي اللي عندها متلازمة داون
بداية زواجهما، يضحكان ببساطة، دون تكلف.
قالت
دي الصورة اللي بابا كان بيحتفظ بيها في محفظته لحد آخر يوم في عمره.
أما آدم، الذي أصبح مهندسًا، فكان قد انتهى من توسعة المركز، وأضاف إليه مبنى جديدًا يحمل اسم
دار الأمل.
مكان مخصص لتدريب الشباب من ذوي متلازمة داون على مهارات العمل والحياة، حتى يعيشوا باستقلال وكرامة.
وفي نهاية الاحتفال، تقدمت فتاة صغيرة من ذوي متلازمة داون، وألقت كلمة قصيرة قالت فيها
أنا نفسي أبقى زي طنط مريم… علشان كانت طيبة، والناس كلها بتحبها.
ساد الصمت، ثم ارتفعت أصوات التصفيق.
ابتسمت سارة، وقد أصبحت جدة هي الأخرى، ونظرت إلى السماء وهمست
اطمني يا مريم… الخير اللي زرعتيه لسه بيكبر.
ومع غروب الشمس، انعكس ضوءها على لافتة المركز، التي بقيت كما هي منذ أول يوم
كل إنسان يستحق فرصة… وكل قلب يستحق أن يُحَب.
وكان ذلك أجمل إرث تركه كريم ومريم… ليس مالًا، ولا قصورًا، بلأثرًا طيبًا بقي في حياة الناس حتى بعد رحيلهما.
تمت الحكاية. بعد خمسين عامًا…
وقف شاب صغير أمام المبنى العريق الذي لا يزال يحمل اسم مركز مريم.
كان اسمه يوسف، أحد الأطفال الذين دخلوا المركز وهو في الرابعة من عمره.
اليوم عاد إليه، لكن ليس كطفل… بل كمدير جديد للمركز.
جمع العاملين وقال
أنا موجود هنا بسبب ست عمرها ما شافتني، لكنها غيرت حياتي.
وأشار إلى الصورة الكبيرة المعلقة عند المدخل، صورة كريم ومريم.
أكمل
لو المركز ده ما كانش موجود، يمكن ماكنتش اتعلمت، ولا اشتغلت، ولا بقيت واقف قدامكم النهارده.
في ركن هادئ من المبنى، كانت لا تزال الرسالة القديمة محفوظة داخل إطار زجاجي.
قرأ يوسف آخر سطر فيها بصوت منخفض
لو ربنا رزقني فرصة أسيب أثر طيب بعد ما أمشي… يبقى دي أكبر نعمة.
ابتسم وقال
وسبتي فعلًا.
وفي تلك اللحظة، دخلت طفلة صغيرة تمسك يد والدتها.
كانت خائفة، وتستخبى وراء أمها، تمامًا كما كانتمريم في طفولتها.
انحنى يوسف أمامها وابتسم
تحبي أتفرجك على أجمل مكان في المركز؟
هزت رأسها بخجل.
أخذها إلى الحديقة، حيث كانت ضحكات الأطفال تملأ المكان.
وبدأت الطفلة تضحك لأول مرة في ذلك اليوم.
نظر يوسف إلى السماء وقال في نفسه
رحلة الخير عمرها ما بتقف… كل شخص بيكملها للي بعده.
وهكذا، لم تعد قصة مريم وكريم مجرد حكاية تُروى، بل أصبحت بداية لقصص جديدة تُكتب كل يوم، مع كل طفل يجد من يؤمن به، ويمنحه فرصة، ويعامله بمحبة واحترام.
وهكذا… لا تنتهي الحكايات الجميلة، لأنها تظل تعيش في القلوب، جيلًا بعد جيل. بعد مرور سنوات طويلة، اجتمعت الأسرة كلها في يوم افتتاح الجناح الجديد بمركز مريم.
وقف آدم وآية، وقد أصبح لكل منهما أبناء وأحفاد، بينما كانت صور كريم ومريم تزين جدران المكان.
تقدمت سارة، وقد غزا الشيب شعرها، وأمسكت الميكروفون وقالت
زمان كنت فاكرة إن أعظم هدية في حياتي هي صداقتي لكريم… لكناكتشفت إن أعظم نعمة كانت وجود مريم بينا. هي اللي علمتنا إن الحب مش شفقة، وإن الرحمة قوة، وإن الإنسان بقلبه وأخلاقه.
ساد صمت عميق، ثم بدأ الجميع يصفق.
بعد انتهاء الاحتفال، طلبت سارة أن تبقى وحدها لدقائق.
جلست أمام صورة أختها، وابتسمت وهي تهمس
وحشتيني… بس أنا مطمنة. الرسالة اللي سيبتيها لسه بتغيّر حياة ناس كتير.
وضعت أمام الصورة وردة بيضاء، ثم خرجت من القاعة.
في الخارج، كانت مجموعة من الأطفال يركضون ويضحكون، ومن بينهم طفل صغير من ذوي متلازمة داون كان يلوّح لها بيده.
ابتسمت له ولوّحت في المقابل، وشعرت أن مريم ما زالت حاضرة في كل ضحكة، وكل حلم، وكل أسرة وجدت الأمل.
أغلقت أبواب المركز مع غروب الشمس، لكن الأنوار بقيت مضيئة.
وظلت العبارة المنقوشة على المدخل تلمع في هدوء
الإنسان لا يُقاس بما ينقصه… بل بما يمنحه من حب.
وهكذا انتهت قصة كريم ومريم، لا بنهاية حزينة ولا سعيدة فقط، بل بإرثٍ بقيبعدهما؛ إرث من الرحمة، والوفاء، والأمل.
النهاية.





