
تبنيت طفلتين
تبنيت طفلتين
تبنيت طفلتين توأم لقيتهما ملفوفتين في فوط داخل غرفة تبديل ملابس على شاطئ هادئ… وفي يوم عيد ميلادهما الثامن عشر، سلّماني نفس الفوط وهمستا: “يا بابا… لازم تعرف الحقيقة.” منذ ثمانية عشر عامًا، د.فنت خطيبتي الحامل. كانت في الأسبوع السادس والثلاثين من الحمل. وماتت طفلتنا معها.
ما زلت أتذكر وقوفي داخل غرفة الطفلة التي قضينا شهورًا نجهزها ونطلي جدرانها باللون الأصفر الفاتح، أحدق في سرير صغير لن ينام فيه أحد أبدًا.
لأسابيع طويلة…
لم أكن أتكلم.
توقفت عن الرد على اتصالات الناس.
وتوقفت حتى عن الأكل.
إلى أن جاء صديقي المقرب أحمد.
ألقى حقيبة سفر في صندوق سيارتي وقال:
— لو سيبتك هنا يوم كمان… هتضيع نفسك.
أخذني إلى شاطئ هادئ بعيد عن مدينتنا.
قضينا اليوم كله نمشي في صمت.
ومع اقتراب غروب الشمس…
وجدت نفسي أتجه نحو صف من غرف تبديل الملابس الفارغة على الشاطئ.
وفجأة…
سمعت صوت بكاء طفل.
ثم…
بكاء طفل آخر.
فتحت ستارة إحدى الغرف.
فوجدت طفلتين حديثتي الولادة مستلقيتين على الرمال.
إحداهما ملفوفة في منشفة بيضاء…
والأخرى في منشفة وردية ناعمة…
وكان على حواف كل منهما تطريز صغير على شكل مراكب شراعية زرقاء.
لم يكن هناك أي شخص.
ولا حتى ورقة.
ولا أي دليل.
بحثت الشرطة لأسابيع.
لكن لم يتقدم أحد.
لم تظهر أي أم تبحث عنهما.
ولا حتى بلاغ واحد عن اختفاء مولودين.
كنت أزورهما كل يوم.
حتى سألتني إحدى الأخصائيات الاجتماعيات يومًا:
— هل فكرت في تبنيهما؟
نظرت إلى وجهيهما الصغيرين.
ولأول مرة منذ وفاة خطيبتي…
شعرت بشيء غير الحزن.
مرت ثمانية عشر سنة.
وكبرت ليان وجنى، وأصبحتا أجمل شيء حدث في حياتي.
عملت في وظيفتين.
حرمت نفسي من الإجازات.
وتنازلت عن كل رفاهية ممكنة.
ولو عاد بي الزمن…
لفعلت الشيء نفسه مرة أخرى.
الجمعة الماضية…
احتفلنا بعيد ميلادهما الثامن عشر.
لكن كان هناك شيء غريب.
بعد العشاء…
صعدتا إلى غرفتهما معًا.
وعندما عادتا…
كانت كل واحدة منهما تحمل المنشفة التي كانت ملفوفة بها يوم وجدتهما.
وضعتا المنشفتين برفق فوق طاولة المطبخ.
أمسكت ليان بيدي وقالت:
— يا بابا…
— أرجوك… ما تكرهناش بسبب اللي هتشوفه دلوقتي.
هزت جنى رأسها وهي تحاول حبس دموعها وقالت:
— إحنا مخبيين عنك سر بقاله سنين.
بدأ قلبي يدق بعنف.
وبيدين ترتجفان…
فتحت أول منشفة.
فسقط منها شيء فوق الطاولة.
وفي اللحظة التي رأيت فيها ما كان مخبأ داخلها…
فضلت أبص للشيء اللي وقع من المنشفة…
وكان عبارة عن مفتاح نحاسي صغير، مربوط فيه تعليقة على شكل مركب شراعي أزرق، نفس الرسمة المطرزة على حواف المنشفتين.
رفعت عيني ناحية ليان وجنى.
قلت بصوت متقطع:
— إيه ده؟
ليان مسحت دموعها وقالت:
— ده ماكانش جوه المنشفة من يوم ما لقيتنا… إحنا اللي حطيناه فيها من شهر.
اتجمدت مكاني.
— يعني إيه؟
جنى قربت مني وقالت:
— لأننا اكتشفنا حاجة لازم تعرفها.
حسيت إن قلبي هينفجر.
— اكتشفتوا إيه؟
ليان فتحت حقيبة صغيرة كانت معاها، وطلعت ملف قديم.
حطته قدامي.
كان فيه صورة باهتة جدًا.
لست شابة شايلة طفلتين رضّع…
ولابسة سلسلة فيها نفس شكل المركب الشراعي.
قالت جنى:
— الصورة دي وصلتلنا من أسبوع.
— مين بعتها؟
— ما نعرفش.
طلع ظرف من غير اسم، اتحط تحت باب البيت.
ولما فتحناه…
لقينا الصورة، والمفتاح، وورقة مكتوب فيها:
“الحقيقة موجودة في المكان اللي بدأت فيه الحكاية.”
بصيت للورقة.
الخط كان غريب.
لا أعرفه.
ولا عمرى شفته قبل كده.
قلت بقلق:
— ليه ما قلتوش لي من أول ما وصلكم الظرف؟
ليان نزلت راسها.
— لأننا خفنا.
— من إيه؟
— خفنا يكون الماضي يرجع ياخدنا منك.
…
فضلت طول الليل صاحي.
كل الذكريات رجعت.
اليوم اللي لقيتهم فيه…
صوت البحر…
المنشفتين…
والمراكب الشراعية الزرقا.
وفي الفجر…
قلت للبنات:
— هنسافر.
بصوا لبعض.
— على فين؟
ابتسمت لأول مرة من ساعات.
— على نفس الشاطئ.
لو الحقيقة مستنيانا هناك…
يبقى لازم نروح.
—
الفصل الثالث
بعد يومين…
وصلنا للشاطئ.
اتغيرت حاجات كتير خلال تمنتاشر سنة.
لكن غرف تبديل الملابس القديمة كانت لسه موجودة.
رغم إنها مهجورة.
وقفنا قدام الغرفة اللي لقيتهم فيها.
حسيت برجلي بتترعش.
قلت:
— هنا…
هنا بدأت حياتنا.
ليان مسكت إيدي.
أما جنى…
فكانت ماسكة المفتاح.
دخلنا الغرفة.
فضلنا نبص حواليّنا.
ولا فيه أي حاجة.
لحد ما جنى لاحظت فتحة صغيرة في أرضية خشبية قديمة.
ركعت على الأرض.
وقالت:
— يا بابا… المفتاح ده مقاسه نفس القفل.
حطت المفتاح.
ولفته ببطء.
صدر صوت خفيف.
وبعدها…
جزء من الأرضية اتحرك.
وبان صندوق معدني صغير، عليه آثار الصدأ.
قلبي كان هيقف.
فتحنا الصندوق.
لقينا جواه ظرف بلاستيك حافظ نفسه من الميه.
وفيه…
صورة تانية.
وخطاب.
وخاتم فضة.
الخاتم ده…
أول ما شوفته…
شهقت.
لأني عرفته.
كان نفس الخاتم اللي كنت مهديه لخطيبتي قبل وفاتها.
بصيت للبنات، ووشي شاحب.
وقلت بصوت بالكاد خرج:
— مستحيل…
إزاي خاتمها وصل هنا؟
فتحت الخطاب بإيد مرتعشة…
ولقيت أول سطر مكتوب فيه:
“إذا كنت بتقرأ الرسالة دي… فمعناه إن البنات وصلوا ليك، وربنا اختارك تنقذ حياتهم.”
وقبل ما أكمل باقي السطور…
سمعنا صوت خطوات حد بيقرب من الغرفة.
التفتنا بسرعة ناحية الباب…
تبنيت طفلتين
ولقينا رجلًا مسنًا واقفًا هناك، وعينيه مليانة دموع.
وقال بهدوء:
— استني… قبل ما تكمل الرسالة… أنا أعرف مين اللي كتبها.
يتبع…
الفصل الرابع
اتجمدنا كلنا مكاننا.
الرجل كان في أواخر الستينات.
شعره أبيض بالكامل، ووشه مليان تجاعيد، لكن عينيه كانوا مليانين حزن غريب.
بص على الخاتم اللي في إيدي، واتنهد وقال:
— كنت متأكد إن اليوم ده هييجي… بس ماكنتش متخيل إني هكون لسه عايش.
قربت منه بحذر.
وسألته:
— حضرتك مين؟
رد بهدوء:
— اسمي الحاج يوسف… وكنت حارس الشاطئ هنا من عشرين سنة.
ليان وجنى بصوا لبعض.
أما أنا…
فقلبي كان بيدق بعنف.
قلت:
— إنت تعرف مين ساب البنتين هنا؟
هز راسه ببطء.
— أعرف جزء من الحقيقة… لكن مش كلها.
فتحنا الرسالة تاني.
قال:
— كمل قراية.
بدأت أقرأ بصوت مرتجف:
“أنا أم الطفلتين… ولو وصلت الرسالة للي أنقذهما، فأنا مدينة له بعمري كله.”
وقفت.
مش قادر أكمل.
جنى همست:
— كمل يا بابا.
أخدت نفس عميق.
“ما سبتهمش بإرادتي… كنت بهرب بيهم من ناس كانوا عايزين يق.تلوهم علشان يستولوا على ميراث كبير يخص أبوهم.”
بصيت للحاج يوسف.
قال:
— الكلام ده حقيقي.
كملت القراءة.
“كنت مطاردة… وكل مكان بروحه كانوا بيوصلوا له. وفي الليلة دي، ماكانش قدامي غير حل واحد… أخبيهم في مكان الناس هتلاقيهم فيه بسرعة.”
“قعدت أراقب من بعيد… وشفتك وإنت شايلهم وجريت تطلب النجدة.”
دموعي نزلت من غير ما أحس.
يعني…
كانت موجودة.
وشافتني.
لكن ماقدرتش تظهر.
آخر سطر في الرسالة كان الأصعب:
“لو ربنا كتبلي عمر… هرجع لهم. ولو مرجعتش… قول لهم إني حبيتهم أكتر من نفسي.”
خلصت الرسالة.
ساد صمت طويل.
قطع الصمت الحاج يوسف وهو بيطلع صورة قديمة من محفظته.
ناولها ليا.
في الصورة…
ست شابة واقفة على نفس الشاطئ، وفي ح.ضنها طفلتين ملفوفين بنفس المنشفتين.
قلت بصوت مخنوق:
— دي أمهم؟
هز رأسه.
— أيوه.
ليان مسكت الصورة بإيديها المرتعشتين.
وقالت:
— هي… عايشة؟
تنهد الرجل.
— آخر مرة شفتها كانت بعد الليلة دي بيومين.
كانت مصابة، وخايفة جدًا.
قالتلي:
“لو حصل لي حاجة… اد.فن الصندوق في نفس المكان، وسيبه لحد ما البنات يكبروا.”
نفذت وصيتها…
ومن ساعتها وأنا مستني اليوم ده.
رفعت عيني إليه.
وسألته السؤال اللي كان بيدور في دماغنا كلنا:
— حصل لها إيه بعد كده؟
قبل ما يرد…
رن هاتفه.
بص للشاشة.
واتغير لون وشه.
قفل المكالمة بسرعة، وقال بصوت متوتر:
— لازم نمشي من هنا حالًا… فيه حد عرف إن الصندوق اتفتح.
بصينا له في ذهول.
وسألته ليان:
— مين؟
رد وهو بيبص ناحية الطريق المؤدي للشاطئ:
— الناس اللي كانت بتدور عليهم من ثمنتاشر سنة… شكلهم رجعوا من جديد.
يتبع…
الفصل الخامس
بمجرد ما قال الحاج يوسف الجملة دي…
لفينا كلنا ناحية الطريق.
كانت فيه عربية سوداء واقفة بعيد.
وأول ما صاحبها لاحظ إننا شوفناه…
دارت العربية ومشيت بسرعة.
ليان قربت مني وهي مرعوبة.
— يا بابا… هما دول مين؟
بصيت للحاج يوسف.
قال بصوت هادي:
— زمان كانوا فاكرين إن الطفلتين ماتوا.
لكن واضح إن حد عرف إن الصندوق اتفتح.
ركبنا العربية بسرعة.
وطول الطريق…
ولا واحد فينا نطق بكلمة.
أول ما وصلنا البيت، اتصلت بمحامٍ أعرفه من زمان.
حكيتله كل اللي حصل.
قال لي:
— أهم حاجة احتفظ بالرسالة والصور والخاتم، وما تسلمهمش لأي حد قبل ما نبلغ النيابة.
وافقته.





