
عشرون جراحا
ساد الصمت الشديد في الجناح الملكي.
بقيت واقفة في نص الغرفة، ملابسي البسيطة مغطاة بقع الدم، وإيدادي ما زالت تحمل أثر الجراحة الإنقاذية.
حسن قام من على السرير ببطء. مشي بخطوات ثقيلة وثابتة، ووقف أمامي مباشرة.
تأمل وجهي الشاب، وعيني الواثقتين اللتين لم ترتبكا أمام نفوذه وس/لاحه.
أخرج من جيبه الداخلي لسترة مكتبه مظروفاً أبيض ثقيلاً، وحطه في يدي.
قال بصوت دافئ وقوي:
— “ده فيه الشيكات الخاصة بديون المستشفى بتاعة أمك الله يرحمها… مدفوعة ومقفولة بالكامل بختم البنك المركزي.”
أنا مسكت المظروف، وتنفس بحرقة وارتياح:
— “شكراً يا حسن بيه… كده أنا أقدر أمشي وأرجع لحياتي البسيطة.”
ابتسم حسن ابتسامة حقيقية، ونفى برأسه بهدوء:
— “تمشي فين يا وفاء؟! أنتِ من الليلة دي مش الخدامة اللي بتمسح البلاط في القصر… أنتِ من الليلة دي رئيسة قطاع المراجعة والجودة الفنية والسلامة لكل مستودعات وشركات مجموعة حسن المنشاوي!”
اتسعت عيناي بالذهول:
— “أنا؟! بس أنا ما عنديش شهادة جامعية في الإدارة يا حسن بيه!”
وضع حسن يده الثقيلة على كتفي، وقال بكل كبرياء وصدق:
— “العين اللي قدرت تشوف ست غرز سوداء مدفونة في عمق اللحم وسط عشرين جراح وملايين الدولارات… أحسن وأصدق من مية شهادة جامعية. القوة مش بالشهادات يا وفاء… القوة بالعقل والضمير والنية الصافية.”
بعد مرور عام كامل…
أقف الآن أمام الشباك الزجاجي العريض في الدور الخمسين بإحدى نطاحات السحاب بالقاهرة.
أرتدي بدلتي الرسمية الفاخرة، وفي يدي ملفات المراجعة الفنية الخاصة بأضخم صفقات المهمات والنسيج الطبي والصناعي في الشرق الأوسط.
لم أعد تلك الفتاة المكسورة التي تطاردها ديون المستشفيات وشبح الفقر. أصبحت “المهندسة وفاء”—الرأس الفني الموثوق الذي يخشاه الجميع، والذي يدير منظومة السلامة والتدقيق في إمبراطورية حسن المنشاوي بكل شرف ونزاهة.
حسن استرد صحته بالكامل، وتطهرت إمبراطوريته من الخونة والمستغلين، وأصبح يعمل في النور بعقود رسمية ومشاريع تنموية كبرى تحت رقابتي وحرصي الدائم.
تذكرت أمي الراحلة… تذكرت يدها الخشنة وهي تعرّفني على أسرار الخيوط والألياف تحت إضاءة لمبة الكيروسين البسيطة في بيتنا القديم المحلة.
ابتسمت ورأسي مرفوعة للسماء…
علمت أن الشرف والضمير والخبرة الصادقة هما الس/لاح الأعظم الذي يكسر العروش الفاسدة، وأن الله ينصر صاحب النية الصافية واليد الشريفة ويدفعه من القاع إلى القمة مهما بلغت الظلمات.
تمت بحمد الله.
صلوا على النبي، والحق دايماً بيبان والنية الصافية ربنا بينصر صاحبها في النهاية .





