قصص قصيرة

سبوع ابن ضرتي

تغير وجه أم نادر.

أما سمر فقالت بحدة:

— يعني إيه؟

فتحت هبة الظرف.

وأخرجت التقرير.

— يعني أنا أقدر أخلف يا سمر.

ثم رفعت عينيها إلى نادر.

وأضافت:

— والمشكلة عمرها ما كانت عندي.

تجمد الرجل مكانه.

ضحكت أمه بعصبية:

— إيه الهبل ده؟ أمال الولد ده جه إزاي؟

لم ترد هبة.

فقط…

نظرت إلى الطفل.

ثم إلى نادر.

ثم إلى سمر.

وفي اللحظة نفسها فهمت الحاجة صفية.

وضعت يدها على صدرها.

وقالت بصوت مرتجف:

— يا ساتر يا رب…

نظر نادر إلى ابنه.

ثم إلى هبة.

— إنتِ عايزة تقولي إيه؟

مسحت هبة دمعة كادت تهرب من عينها.

وقالت:

— أنا مش عايزة أقول حاجة.

ثم أشارت إلى التقرير.

— التحليل هو اللي بيقول.

صرخت سمر:

— إنتِ كدابة!

لكن هبة لم تنظر إليها.

كانت تنظر فقط إلى الرجل الذي كسر قلبها من أجل طفل…

قد لا يكون طفله أصلًا.

ثم قالت:

— مبروك السبوع يا نادر.

وأغلقت حقيبتها.

واستدارت ناحية الباب.

لكن قبل أن تخطو خطوتها الأولى…

دوّى صوت نادر خلفها:

— هبة! مين أبو الطفل؟

فتوقفت القاعة كلها عن التنفس.

يتيع

“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

الفصل الثاني: الطفل الذي قلب الموازين — هبة! مين أبو الطفل؟ خرج السؤال من نادر كأنه طلقة. وتحوّل السبوع في ثانية واحدة من ليلة مليانة زغاريد وضحك إلى محكمة، كل فيها مستني يسمع الحكم. وقفت هبة عند باب القاعة. ظهرها للجميع. أغمضت عينيها للحظة، ثم استدارت ببطء. — السؤال ده مش ليا يا نادر.

وأشار نظرها ناحية سمر.

— اسأله لأم ابنك.

شهقت سمر، وضمت الرضيع إلى صدرها بعنف.

— إنتِ اتجننتي؟!

اقترب نادر منها.

— سمر… هبة بتتكلم عن إيه؟

— وأنا أعرف منين؟! دي واحدة محروقة مني علشان خلفتلك وهي لأ!

ابتسمت هبة بمرارة.

— لسه؟

صرخت سمر:

— لسه إيه؟!

— لسه بتقولي إني ما بخلفش؟

وأخرجت التقرير من الظرف مرة أخرى.

رفعت الورقة أمام الجميع.

— أنا عملت كل التحاليل من أول وجديد في مركز متخصص… والنتيجة إني سليمة.

ثم نظرت إلى نادر.

— إنما التحليل اللي عملته إنت من سنين، واللي فضلت مخبيه عني… كان بيقول حاجة تانية.

تجمدت ملامحه.

هنا تدخلت أمه بسرعة:

— تحليل إيه اللي مخبيه؟!

نظرت هبة إليها.

— اسألي ابنك.

التفتت الأم إلى نادر.

— رد يا نادر!

لم يرد.

وكان صمته كافيًا.

ضربت الحاجة صفية عصاها في الأرض.

— اتكلم يا ولد!

رفع نادر رأسه أخيرًا.

وقال بصوت خافت:

— الدكتور قال إن عندي مشكلة.

وضعت أمه يدها على فمها.

أما هبة فضحكت.

لكن ضحكتها خرجت موجوعة.

— مشكلة؟

اقتربت منه.

— قول الحقيقة كاملة.

— هبة، مش قدام الناس.

— وأنا لما اتقال عليا عاقر قدام الناس كنت راجل وكنت ساكت!

ارتفع صوتها لأول مرة.

— لما أمك كانت بتقول في كل قعدة إنك ضيعت شبابك مع واحدة ما بتخلفش… سكت!

أشارت إلى أقاربه.

— لما كل واحدة فيهم كانت تبصلي بشفقة وتسألني “لسه مفيش؟”… سكت!

ثم وضعت يدها على صدرها.

— لما كنت برجع من عند الدكاترة وأعيط في الحمام لوحدي وأقول يمكن أنا السبب إن الراجل اللي بحبه مش هيبقى أب… كنت عارف الحقيقة وسكت!

خفض نادر عينيه.

قالت أمه بصدمة:

— يعني إنت كنت عارف؟

همس:

— كنت خايف.

صرخت هبة:

— وأنا؟!

سكت الجميع.

حتى الرضيع بدأ يبكي.

نظرت هبة إليه.

وهدأ صوتها فجأة.

— وأنا ما كنتش بخاف؟

تراجعت خطوة.

— بس الفرق إني كنت فاكرة إننا اتنين في نفس المركب.

ثم مسحت دموعها بسرعة.

— طلعت أنا لوحدي.

تحرك نادر نحوها.

— هبة، أنا غلطت.

رفعت يدها.

— ما تقربش.

توقف.

— كنت مكسوف أقولك.

— فكسرتني بدل ما تقول إنك موجوع؟

— ما كانش قصدي.

— وبعد كده اتجوزت عليا ليه؟

لم يجد جوابًا.

لكن أمه وجدته بدلًا منه.

قالت بعناد:

— علشان نفسه في عيل! وده حقه.

التفتت هبة إليها.

كانت على وشك الرد…

لكن صوتًا آخر سبقها.

صوت الحاجة صفية.

— اسكتي يا وداد.

— يا ماما…

— قولت اسكتي!

ثم نظرت إلى حفيدها.

— يعني إنت عارف إن عندك مشكلة، وروحت اتجوزت واحدة تانية، ولما حملت ما خطرش في بالك تعمل تحليل؟

تغير وجه سمر.

وقالت بسرعة:

— تحليل إيه؟! أنا مراته وحملت منه، إيه الغريب؟

نظر نادر إليها.

ولأول مرة ظهر الشك الحقيقي في عينيه.

— سمر…

— نعم؟

— لما قلتيلي إنك حامل…

تراجعت.

— مالها؟

— كنتِ حامل في كام أسبوع؟

ارتبكت.

— يعني إيه؟

— جاوبي.

— مش فاكرة.

— إزاي مش فاكرة؟

ارتفع صوتها:

— علشان كنت فرحانة! هو تحقيق؟!

بدأت الهمسات تدور في القاعة.

وهبة لم تقل شيئًا.

كانت تعرف أن الحقيقة إذا بدأت تتحرك وحدها، فمن الأفضل ألا تعترض طريقها.

اقترب نادر من سمر.

— أنا عايز تحليل DNA.

صرخت أمه:

— نادر!

لكنه لم ينظر إليها.

كان ينظر إلى الطفل.

— تحليل نسب.

تحول وجه سمر إلى اللون الأبيض.

— إنت بتشك فيا؟

— أنا عايز أطمن.

— بعد ما عملت سبوع لابنك قدام الناس جاي تشك فيا؟!

— لو ابني، التحليل هيثبت.

صرخت:

— مش هعمله!

وهنا…

ساد الصمت.

قال نادر ببطء:

— ليه؟

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى