
جوز التنتين امانى سيد
ووحدة ميعلمش بيها إلا ربنا. في وسط الأسبوع ده، جه أخويا طارق على غفلة، مكلمنيش ولا بص في وشي، دخل عند الجيران أخد بنتي ومشى على طول عشان يوديها لأمها اللي راحت قعدت عند أهلها بعد ما خرجت من المستشفى.. ابني خرج وبقى كويس، بس أنا كنت آخر من يعلم، لا عارف أشوفه، ولا قادر أطمن عليه، ولا حتى مسموحلي أسمع صوته في تليفون.
كنت محبوس بين نارين، نار الشوق لعيالي ووجع الضمير، ونار خوفي وضعفي إني أرجع لمرفت تكسرني أكتر أو تتخانق معايا لو شافتني حزين.
وبعد أسبوع كمان، وتحديداً بعد أسبوعين من ليلة المستشفى المشؤومة، تليفوني رن برقم والدي اللي فك البلوك عشان يقولي جملة واحدة من غير سلام تعالى بيت حماك دلوقتي، كلنا مستنيينك.
نزلت وروحي بتتسحب مني، ولما وصلت ودخلت الصالة، لقيت المشهد اللي عمري ما تخيلته.. والدي وإخواتي قاعدين في جنب، وقصادهم والد سوسن وإخوتها، وسوسن نفسها قاعدة بعيد وشها خالي من أي تعبير وكأنها حاطة قناع من تلج.
قعدت وراسي في الأرض ومحدش عبرني حتى برمش عينه، وفجأة والدي كسر السكوت وقال بنبرة قاطعة وبصوت مليان حزن وعار إحنا متجمعين هنا عشان ننهي الموضوع ده بالمعروف.. سوسن طلبت الطلاق وأهلها موافقين، وإحنا كأهلك شايفين إن ده أقل حق ليها بعد اللي شافته منك.. طلق يا عاطف، وبالذوق، عشان متجرجرش أم عيالك في المحاكم وتفضح نفسك وتفضحنا أكتر من كده.
الكلمة نزلت عليا زي الصاعقة، رفعت راسي وبصيت لسوسن برجاء، بس عينها كانت باصة في الفراغ، مفيش فيها غير إصرار أعمى على إنها تمحيني من حياتها تماماً.
حسيت إن الهوا اتسحب من الأوضة، ولساني اتشل، قومت وقفت وبصيت لأبويا وأنا بتهته أطلق إيه يا حاج؟ لا طبعاً.. أنا غلطت وأنا معترف ومستعد أعمل أي حاجة، بس مش هطلق وأهد بيتي وأرمي عيالي!.
حمايا رد عليا بصوت هادي يقطع زي المشرط بيتك أنت هديته بإيدك من زمان يا عاطف.. والعيال أنت رميتهم الليلة اللي قفلت فيها السكة في وش أمهم وهي بتستنجد بيك عشان ابنك ميموتش. بنتي مش لعبة، ولا هي جارية عندك تركنها وقت ما تحب وترجعلها وقت ما تحب.
بصيت لسوسن وقربت خطوة برجاء وذل سوسن.. عشان خاطر العيال، بلاش توصلينا لكده.. أنا اتعلمت الأدب ومش هكرر أي حاجة زعلتك، إديني فرصة واحدة بس.
سوسن رفعت عينها فيا، النظرة كانت باردة وجامدة لدرجة تخوف، وقالت بصوت مسموع لكل اللي قاعدين عشان خاطر العيال بالذات لازم أطلق.. مش هربي عيالي على إن أبوهم ندل، ولا هخليهم يشوفوا أمهم متهانة كل يوم عشان يرضي غيرها. أنت سقطت من عيني يوم ما سجلتلها بصوتك إنك بايعني ومستعد تضحي بيا، وموت في عيني تماماً الليلة اللي سيبت فيها ابنك بيموت عشان تثبتلها حبك.. أنت ملكش مكان هنا خلاص.
أخويا طارق حط ورقة وقلم على الترابيزة قدامي، وقال بصرامة يا تطلق دلوقتي بالمعروف وتضمن إنك تشوف عيالك بالود، يا إما قضايا في المحاكم، وساعتها مش هتشوف حتى ضلهم.. اختار.
بصيت على الورقة، وبصيت لأبويا اللي أدار وشه عني في خزي وعار، وحسيت إني وحيد تماماً، متجرد من كل سند. مسكت القلم وإيدي بتترعش، مش مصدق إني بكتب بإيدي نهاية بيتي وحياتي مع الست اللي شالتني سنين، كل ده عشان أرضي نزوة وضعف مع ست تانية باعتني في أول لحظة هم. نطقت الكلمة وطلقتها، وخرجت من البيت وأنا حاسس إني ميت ماشي على رجليه، وخسرت كل حاجة في لحظة واحدة.
عدّى أسبوع، وروحت مع أهلها وأهلي عند المأذون ونفذت اللي طلبوه. طلقتها رسمي، والورقة اللي مضيت عليها كانت إعلان نهاية حياة كاملة، خرجت من عند المأذون وأنا حاسس بفراغ رهيب، بس سوسن مكنتش ساذجة ولا سابت حقها للظروف.. عشان تضمن حقوقها وحقوق ولادها رفعت كل القضايا؛ نفقة، وحضانة، ومؤخر، ومصاريف علاج، وكسبتهم كلهم بحكم محكمة، وبقيت مجبر أدفع تلتين مرتبي اللي كنت بحرمها منه زمان بحكم القانون، من غير ما أقدر أفتح بؤي بكلمة.
مرت الأيام والشهور، وأنا محبوس في حياتي مع مرفت، حياة اكتشفت مع الوقت إنها كانت قايمة على المظاهر والدلع الرخيص، وأول ما الفلوس قلت وبقى عليا التزامات المحاكم، بانت حقيقتها أكتر وبقى النكد والخناق هو عنوان بيتنا كل يوم.
وبعد سنة ونص، نزلت عليا الصاعقة اللي شلت تفكيري وخلتني أدرك حجم الجرم اللي ارتكبته في حق نفسي قبل ما يكون في حقهم.. سوسن اتجوزت أخويا طارق.
الجوازة كانت بمباركة أبويا وأمي وأهلها كلهم، الكل كان شايف إن طارق هو الراجل اللي يقدر يصونها ويحميها بعد اللي شافته مني. وطارق فعلاً عمل اللي أنا فشلت فيه؛ فتح بيته لولادي، شالهم في عينيه وعوضهم عن كل ليلة خوف وقهر ومرمطة عيشتهالهم. بقى يذاكرلهم، يفسحهم، ويجري بيهم على الدكاترة في عز التعب بقلب أب حقيقي خايف على روحه.
أصعب لحظة في حياتي كانت لما شوفت ابني في الشارع بالصدفة وهو ماسك إيد طارق، بيضحك من قلبه وفرحان، ولما طارق وطى شاله وحضنه، الولد ناداله وقاله يا بابا. ساعتها بس حسيت إن الأرض بتسحبني لتحت، وعرفت إن طارق مخدش بس مراتي وولادي.. طارق أخد مكاني اللي رميته برخص التراب، وبقى ليهم الأب والسند، وفضلت أنا مجرد ذكرى سودة واسم على شهادة ميلاد بيستعروا منه.
الجرح الأكبر مكنش بس في اللي خسرته برة، المصيبة الحقيقية كانت جوة البيت اللي فضلت عشانه. مرفت بعد ما سوسن خرجت من حياتي تماماً واتجوزت طارق، اتغيرت 180 درجة.. اكتشفت متأخر إن كل الدلع والاهتمام والحب المزيف اللي كانت بتغريني بيه، مكنش عشاني أنا، كان مجرد كيد ونار منافسة عشان تحس بالانتصار على ضرتها وتثبت لنفسها إنها قدرت تاخد الراجل منها.
أول ما سوسن استغنت ومبقاش في حد تنافسه أو تحرقه بالرسايل والصور، انطفى الشغف ده فجأة، ومرفت شالت القناع.
بقت تهملني تماماً؛ لا أكل بيتعمل في ميعاده، ولا كلمة حلوة تطلع من لسانها، ولا حتى بتكلف خاطرها تبص في وشي لما أدخل الشقة. البيت اللي كان زمان مليان ضحك ودلع رخيص، بقى بارد وكئيب زي المقبرة، وهي ممسكة تليفونها ليل ونهار، عايشة في عالمها ومش شايفة غير نفسها.
لما الفلوس قلت بسبب أحكام النفقة والمحاكم ومبقتش قادر أجيبلها نفس الهدايا والفسح الغالية، بقى لسانها أطول وأقسى من الأول. كل ما أطلب منها حاجة أو أشتكي من الإهمال، تبصلي بقرف وتقولي أنت هتعملهم عليا؟ ما تحمد ربنا إني صابرة على قلة حيلتك وفقرك ده بعد ما خربت بيتك ومحاكمك شفطت مرتبك!.
حياتي حرفياً اتحولت لسواد.. بقيت عايش مع ست لا بطيقها ولا هي طايقاني، مسجون معاها في نفس الشقة عشان مش قادر حتى أتحمل مصاريف طلاقها هي كمان. بقيت أقعد بالليل في الضلمة أفتكر حنية سوسن، وضحكة عيالي، واللقمة الدافية اللي كانت بتتعمل بحب ورضا، وأبص لمرفت وهي نايمة مدية ضهرها ليا ولا حاسة بوجودي.. وساعتها بس
عرفت إن ربنا خلص حق سوسن وعيالي مني في الدنيا قبل الآخرة، وإن السواد اللي أنا عايش فيه مش أكتر من عدل ربنا على راجل باع الغالي بالرخيص.





