
لقيت طليقتي منى السيد
برعب حقيقي
الحاج متولي؟!.. أنتم.. أنتم وصلتم لي إزاي؟!
الراجل الكبير الحاج متولي بص لندى وهز رأسه بامتنان واعتزاز
وصلنا لك بفضل الست الأصيلة دي.. الست اللي جابت لنا حقنا وحقك، وجابت لنا مكانك بالظبط عشان ناخد تارنا ونرجع فلوس الناس اللي أنت سرقتها!
مريم كانت بتصرخ وتعيط على الأرض، ومسكت في رجلي وأنا بزقها بجزمتي بكل قسوة وشمئزاز
علي! أرجوك يا علي سامحني! هو اللي غواني! هو اللي ضحك عليا وقال لي هنعمل ملايين ونهرب! أرجوك يا علي أنا أختك!
أنتِ مش أختي.. قلتها وصوتي طالع من قاع جهنم، أنتِ وحدة خاينة مالكيش أصل ولا دين.. وأبويا اللي رميتيه في الزبالة هو اللي يحكم عليكي، مش أنا!
الحاج متولي شاورت لرجالتهم، وفي ثواني كانوا ماسكين أشرف من رقابته زي الكلب، وبدأت أصوات سيارات الشرطة ترن في الشارع برة المعرض.. ندى كانت مبلّغة النيابة العامة ومباحث الأموال العامة بالتنسيق مع أهالي أسيوط، وكل حاجة كانت متخطط لها بالمسطرة!
الشرطة دخلت المكتب، وكلبشوا أشرف ومريم اللي كانت بتصرخ وتستغيث، وأخدوا أوراق العقود المزورة والملفات كلها.
لما المكتب فضي، وما بقاش فيه غيري أنا وندى..
قعدت على الأرض، حطيت وشي بين إيديا وبكيت.. بكيت بكسرة قلب وندم ما يعلم بيه إلا ربنا.
رفعت رأسي بصيت لندى اللي كانت واقفة جنب الشباك بتبص على سيارات الشرطة وهي ماشية.
ندى.. قلتها ونبرة صوتي راجية ومكسورة، كل حاجة رجعت.. الحقيقة ظهرت، والمعارض وأملاكي كلها تحت رجليكي.. أرجوكي يا ندى، تعالي نرجع، تعالي نعوض أبويا عن اللي شافه، ونبدأ من جديد.. أنا مستعد أكتب لك نص المعارض دي باسمك النهار ده قبل بكرة!
ندى لفت بصت لي.. النظرة دي هي اللي قطعت أملي الأخير.
ابتسمت ابتسامة هادية جداً، ابتسامة حد تحرر من كل قيد وكل وجع، وقالت بصوت رايق وثابت
أنا عملت كدة عشان حق الحاج فاروق، وعشان أثبت لنفسي وللقاهرة كلها إن بنت الشوارع اللي أنت رديت عليها المتين جنيه، أنضف وأشرف من كل ملايينك.. لكن نرجع؟ لا يا علي.
قربت خطوات من الباب، ولفت بصت لي للمرة الأخيرة
اللي اتكسر بيننا ما يتصلحش بملايين ولا بأسهم.. الفلوس تقلك وتكبرك في عين الناس، بس ما تعملكش كرامة يا علي. أنا راجعة عند الحاج فاروق، هاخده وأعيش بيه في بيت صغير من شقيا الحلال.. وأنت.. خلي الملايين بتاعتك تنفعك وتشتري لك راحة البال والنوم اللي حرمت نفسك منهم.
وسابتني ومشيت..
فضلت قاعد في المكتب الفخم الواسع، بين الموبيليا الغالية والأفخم في مصر، بس حسيت إن المكان أفضى وأبرد من الأوضة الصاج اللي تحت الكوبري. حسيت لأول مرة إن المتين جنيه اللي كانت في جايبي، فعلاً ما قدرتش تشتري لي ولا ذرة واحدة من راحة البال.
هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.
قفزت من مكاني وزقيت محامي الشركة بقوة، عينيا كانت هتطلع من مكانها وأنا بشوف اسم أشرف متسجل على التنازلات، والشهود اتنين من محامي المباحث اللي كانوا واقفين تحت المعرض! تزوير! التنازل ده باطل! ندى ضحكت عليا وعليكم كلكم! صرخت بصوت هيستيري وأنا بضرب على سطح المكتب الزجاجي لحد ما اتكسر ميت حتة وتحت إيديا
الظابط بص لي بجمود، وطلع كلبشات تانية من جيبه
التنازل مخدوم بختم الشهر العقاري وبصمة الحارس القضائي اللي عينه المحكمة على المعارض بناءً على القضية القديمة اللي رفعها والدك من سنة! أنت مضحوك عليك من زمان يا علي بيه.. بس مش من ندى، من أختك وجوزها، وندى كانت بس الوكيل القانوني اللي بيتنفذ من خلاله حكم المحكمة لرد الحقوق لأصحابها!
أصحابها؟! صرخت وأنا مذهول، أنا صاحب الحق! أنا اللي بنيت المعارض دي بدمي!
رد الظابط وهو بيزقني بالراحة ناحية الكرسي
المعارض دي كلها كانت مقتطعة من أموال طائلة مسروقة من أهالي الصعيد ومن حسابات والدك الشخصية قبل ما يجيله الشلل، والأوراق بتقول إن ندى تنازلت عن كل حصتها لإعادة بناء المصحة الحكومية اللي كان أبوك مرمي فيها، وعن إنشاء مؤسسة لرعاية كبار السن المجهولين.. أنت ما بقاش لك حيلة حاجة
هنا يا علي.
في اللحظة دي، سمعت صوت حركة برة المكتب..
باب الصالة الخارجية اتفتح ببطء، ودخلت ندى، كانت لابسة عباية كحلي بسيطة جداً، وفي إيدها شنطة أوراق بيضاء. وراها كان فيه كرسي متحرك بيزقه شاب صغير من أهل الحارة..
على الكرسي كان راقد أبويا، الحاج فاروق!
كان متغطي ببطانية نضيفة، وشه رايق، وعينيه اللي كانت زمان مكسورة ومملوءة برعب، النهار ده كانت بتلمع بنور غريب وصافي.
يابا!.. صرخت وأنا بحاول أقرب منه، بس الظابط حط إيده على صدري ومنعني.
أبويا رفع إيده المرتعشة ببطء شديد، وشاور لي بصباعه.. مش عشان أقرب ولا عشان يحضنني، شاور لي ب لا.. هز رأسه بأسى ودمعة واحدة نزلت من عينه على خده المجعد.
ندى قربت من الكرسي، وحطت إيدها على كتف أبويا، وبصت لي بنظرة ما كانش فيها أي غل ولا تشفي.. كانت نظرة شفقة، شفقة على راجل ضيع كل حاجة في لحظة غرور.
أبوك جاي يودع المكان يا علي.. ندى قالتها بصوت هادي يقطع القلب، جاي يشوف شقى عمره وهو بيرجع للغلاظ والمظلومين اللي اتسرقت فلوسهم عشان المعارض دي تتفتح وتكبر. جاي يشوف النهاية.
ندى.. أرجوكي! وقعت على ركبتي قدام أبويا ونظام الدم نازل من إيدي المجرورحة، ومسكت في طرف الكرسي المتحرك يابا سامحني! أنا ابنك يا علي! أنا اللي اتعميت واستغلتني أختي الخاينة! أرجوك يا حاج، قولهم يسبوني معاكم.. أنا مستعد أشتغل تحت رجليكي يا ندى! ألم معاكم البلاستيك والكرتون بس ما تسيبونيش لوحدي في الضياع ده!
أبويا فتح بؤه بالعافية، وطلع منه صوت مبحوح ومكسور، لكن كلماته كانت أوضح من صوت الرعد في الأوضة
ا ال الفلوس يا علي ما بتعملش رُجالة
أبويا غمض عينيه وأخد نفس عميق، ودار وجهه الناحية الثانية بعيد عني، كأنه بيقفل الصفحة الأخيرة من حياته معايا.
ندى شالت إيدي بالراحة من على الكرسي المتحرك، وبصت في عيني للمرة الأخيرة
ال ٢٠٠ جنيه اللي رميتها لي في البركة يا علي.. أنا ما أخدتهاش لنفسي. أنا اشتريت بيها الدوا اللي مسكن لأبوك وجعه في أول ليلة، والباقي حطيته في صندوق التبرعات بتاع المستشفى باسمك.. عشان يمكن ربنا يخفف عنك الوجع اللي هتعيش فيه بقية حياتك.
ندى لفت الكرسي المتحرك، وبدأت تزق أبويا لبرة المكتب..
صوت عجل الكرسي وهو بيتكركر على الرخام الفاخر بتاع المعرض كان زي صوت سكاكين بتقطع في قلبي. فضلت باصص عليهم وهم بيبعدوا، والمطر برة الشباك كان نازل بغزارة، كأنه بيغسل المكان من كل التاريخ المليان كدب وزور.
الظابط حط إيده على كتفي وقعدني على الأرض
اتفضل معانا يا علي بيه على النيابة.. فيه تحقيقات طويلة مستنياك في قضايا التستر والتوقيعات المشبوهة مع أختك وأشرف.
طلعت من المعرض وكلبش الحديد في إيدي، والناس واقفة في الشارع بتتفرج على صاحب أكبر معارض موبيليا وهو مكلبش ومسحوب زي المجرمين. بصيت بعيد.. شفت العربية الصغيرة اللي ندى وأبويا ركبوا فيها وهي بتبعد وتختفي وسط زحمة دمياط والمطرة.
قعدت في البوكس الخلفي للشرطة، وسندت رأسي على الحديد البارد.. افتكرت اليوم اللي طلقت فيه ندى، وافتكرت غروري وأنا راكب العربية الفارهة وبشتمها تحت الكوبري. حسيت ببرودة شديدة بتدخل عظمي، وعرفت إن السرقة الحقيقية ما كانتش الملايين ولا المعارض.. السرقة الحقيقية كانت عمري وأصلي وكرامتي اللي ضاعوا مني للابد، وإني بقيت أفقر راجل في الدنيا، حتى المتين جنيه ما بقتش حيلتي.
سحبتني الشرطة من الممر الخلفي للمعرض، والحديد في إيدي بياكل في جلدي، بس الوجع اللي في جسمي كله ما كانش ييجي حاجة جنب السكينة اللي اتغرست في قلبي. أختي مريم كانت مرمية في صالة العرض وهي بتبكي بصوت هستيري، وحوالي أربع أمناء شرطة ماسكين أشرف اللي كان بيصرخ وبيحاول يملص منهم بكل قوته، بس رجالة الحاج متولي الصعيدي كانوا واقفين زي السد، بيتابعوا كل خطوة بعيون مليانة تار وشماتة.
في النيابة، قعدت على كرسي خشب مكسور قدام وكيل النائب العام. ساعات طويلة من التحقيق، أوراق بتتقلب، وأختي مريم بترميني بالتهم وأنا برميها، كل واحد فينا بيحاول ينجو بنفسه من غسيل الأموال والتزوير والإهمال الجسيم في حق أبويا.
أثبتت التحقيقات والأوراق اللي ندى قدمتها إن ختمي وتوقيعي استُغلوا في بعض الأوراق بدون علمي، لكن التستر والإهمال والتوقيع على بعض الشيكات لمستوردين وهميين لبّسني قضية تسهيل استيلاء على أموال عامة وتستر على مجرم هارب. خرجت بكفالة مالية ضخمة أخدت كل اللي حيلتي في الحسابات البنكية الشخصية.. خرجت بملابسي اللي عليا، من غير عربية فارهة، ومن غير حسابات، ومن غير شركة، وحتى شقتي في القاهرة اتحفظ عليها لحين سداد أموال المتضررين.
بعد تلات أسابيع من التخبيط في ممرات المحاكم والنيابات، وقفت في الشارع تحت شمس الجيزة المباشرة. لابس قميص مبهدل وجزمة مشققة، مش حيلتي غير جنيهات قليلة في جيبي.
أول مكان فكرت أروحه كان العزبة العشوائية اللي ورا الرشاح.. المكان اللي شفت فيه ندى وأبويا لأول مرة.
مشيت بين البرك والطين، رجلي بتغرز في نفس المكان اللي استحقرت ندى فيه. وصلت للأوضة الصاج.. الباب كان مفتوح، والغرفة فاضية تماماً! مفيش سرير، مفيش كومودينو، ولا حتى حبل الغسيل القديم!
سألت ست كبار في السن كانت قاعدة قدام الأوضة بتنقي رز
يا حاجة.. فين الست اللي كانت هنا مع الراجل الكبير المشلول؟
الست بصت لي بقرف من فوق لتحت وقالت
أقصدك الست ندى؟ دي ست أصيلة وبألف راجل.. أخدت أبوها الراجل الطيب ونقلوا من هنا من أسبوعين. ناس أولاد حلال من الصعيد جابوا لها شقة صغيرة نضيفة في منطقة هادية وعملوا لها مشروع صغير كشك ومحل منظفات تعيش منه هي
وأبوها بالحلال..
تعرفي عنوانهم فين يا حاجة؟ أرجوكي! قلتها وأنا برجف وببوس إيدها.
ما أعرفش ولا عايزة أعرف أقولك.. هي حذرتنا كلنا وقالت لو جه راجل لابس نضيف يسأل عليا أو على أبويا، قولوا له إننا مشينا وما تدوهاش عنواننا.. وقالت جملة غريبة كدة قولوا له يتفكر المية جنيه والمصحة، وينسى إن كان له أب أو ست ناديفة في حياته.
نزلت على ركبتي في الطين قدام باب الأوضة الصاج. بكيت زي العيل الصغير اللي ضاع من أمه في المولد. الشارع كله كان بيتفرج عليا، الراجل اللي كان معاه ملايين وراكب أحدث موديل عربية، قاعد في الطين بيترجى خبر عن الست اللي كان بيرمي لها الفلوس من الشباك.
عدت الشهور..
اشتغلت ورنيش جزم في شوارع الجيزة، وبعدها اشتغلت حمال خشبي في ورش صغيرة في أطراف دمياط، عشان أقدر آكل لقمة حلال وما أمدش إيدي لحد. كل يوم بالليل، كنت بقعد على رصيف القهوة، وأطلع الورقة المتين جنيه اللي ندى سابتها لي في النيابة مع المحامي.. ورقة مكمشة ومبتلة بدفء دوا أبويا، كنت ببص لها وأبكي.
وفي يوم من أيام الشتا، وأنا شايل لوح خشب ثقيل على ضهري في شارع جانبي بمدينة نصر بالقاهرة، لمحت كشك صغير مكتوب عليه مكتبة ومستلزمات طبية.
جوة الكشك، كانت ندى..
لابسة خمار نضيف، وشها مشرق ونور الرضا مالي ملامحها. وكانت بتضحك وهي بتقدم علبة دوا لزبون.
وجنب الكشك، على كرسي متحرك في الشمس، كان قاعد الحاج فاروق!
كان لابس جلابية بيضاء نضيفة، ومسند رأسه وبيسمع راديو صغير جنب أذنه.
قلبي دق بسرعة الصاعقة. وقع لوح الخشب من على ضهري على الأرض. قربت بخطوات بطيئة ومترددة، دموعي مغرقة وشي..
أبويا لف رأسه ببطء بالكرسي المتحرك.. وعينيه جت في عيني!
أبويا ما صرخوش، ولا اترعب، ولا اهتز.. بص لي بنظرة عميقة، حزينة، بس فيها تسليم كامل.
ندى لمحتني وهي بتطلع الباقي للزبون. الابتسامة اختفت من على وشها ببطء، وحلت محلها نظرة ثبات ووقار هزت كياني.
قربت من الكشك، وشفايفي بترتعش
ندى.. يابا..
مقالات ذات صلة
أبويا طول عمره كلمته هي اللي تمشي
منذ ساعة واحدة
أبويا طول عمره كلمته هي اللي تمشي 1
منذ ساعة واحدة
حكايات منى السيد 2
منذ ساعتين
حكايات منى السيد 1
منذ ساعتين
ندى خرجت من الكشك، وقفت بيني وبين الكرسي المتحرك بتاع أبويا، وقالت بصوت هادي ومفيش فيه أي ذرة كره، بس مليان حدود حاسمة زي الجبل
علي.. أنت جاي ليه؟
جاي استسمحكم.. وقعت على ركبتي في الشارع قدام الكشك، أنا اتعدلت يا ندى.. بقيت بشتغل في الخشب حمال، وبسترزق بالحلال، وبعت الشقة والفلوس المسروقة رجعت لأصحابها.. أنا اتعلمت الدرس، اتعلمت إن الفلوس ما بتعملش رجالة.. أرجوكي يا ندى خليكي في حياتي حتى لو خدام تحت رجليكي أنتِ وأبويا!
أبويا رفع إيده
المرتعشة ببطء شديد، وشاور لندى..
ندى قربت منه ووطت أذنها لبوّه. أبويا همس لها بكلمات متقطعة بصوت ضعيف جداً..
ندى رفعت رأسها وبصت لي، وعينيها دمعت لأول مرة من شفقتا عليا
أبوك بيقولك ربنا يسامحك يا علي ويصلح حالك.. بس أنت اخترت طريقك من زمان، وحقنا أخدناه بالقانون وبالأصل.. روح يا ابني وابني حياتك من جديد بالحلال، بس بعيد عنا.
وأنتِ يا ندى؟ سألتها وأنا حاسس إن روحي بتطلع.
ندى ابتسمت ابتسامة خفيفة وقالت
أنا سامحتك لله يا علي.. عشان أطهر قلبي من أي غل. بس اللي اتكسر ما بيتصلحش، والبيت اللي اتهدم بعاطفة الغرور ما بينفعش يتبنى على أنقاض الوجع.. اذهب يا علي، وربنا يهديك.
ندى لفت الكرسي المتحرك بأبويا، ودخلته جوة الكشك الدافئ، وقَفلت الباب الزجاجي النصفي بيني وبينهم..
فضلت واقف في الشارع المطير، ببص عليهم من ورا الزجاج. أبويا بياكل معلقة شوربة دافية من إيد ندى، وندى بتبتسم له بحب ورضا..
وأنا.. واقف برة في السقعة والبرد، عرفت إن العقاب الحقيقي مش السجن ولا الفقر.. العقاب الحقيقي إنك تشوف الجنة اللي كانت في إيدك، وأنت واقف برة أسوارها ومش مسموح لك تدخلها أبداً!
سندت جبهتي على الزجاج المبلل بتعاسة الدنيا كلها. من ورا الإزاز الشفاف، شفت أبويا بيمسح دمه بيده المرتعشة، وندى بتطبطب على كتفه بحنان وأصل، حنان كان المفروض يكون مني أنا.. ابن عمره اللي ضيعه الغرور والعمى.
قفلت عيني ودموعي بتنزل بغزارة مع مية المطرة اللي أغرقت القميص المتبهدل على جسمي. عرفت في اللحظة دي إن كل محاولاتي عشان أصلح اللي فات كانت زي اللي بيبني بيوت من رمل في وسط الموج. ندى ما كانتش قاسية، بالعكس.. ندى كانت أعدل وأرحم مني بكتير؛ سامحتني لله، بس رفضت ترجع عشان عارفة إن كرامتها وأصلها مش بضاعة تنباع وتشتري في سوق الندم.
مشيت ببطء، بجرّ رجلي في الشارع، مسحوب الخطوات بعيد عن الكشك.. بعيد عن الجنة اللي ضيعتها بإيديا. كل خطوة كانت بتقول لي إن الملايين والمعارض والعربيات الفارهة ما صانتش بيت، ولا حمت أب، ولا عملت راجل.
عدت السنين..
عشت باقي عمري في أطراف دمياط، بشتغل نجار بسيط في ورشة صغيرة على قد حالي. بقيت أصحى مع أذان الفجر، أستغفر ربنا، وأشتغل بعرق جبيني عشان آكل لقمة حلال صافية مفيهاش شبهة ولا قرش حرام.
كل يوم جمعة، كنت ببعت جزء من قُوتي البسيط في جواب مقفول مع بوسطجي لمنطقة الكشك، مكتوب عليه تبرع من فاعل خير لرعاية العجزة والمحتاجين.. عشان أضمن إن أبويا وندى ما يتحوجوش لحد، وعشان أكفّر عن ذنبي وأطفئ النار اللي بتاكل في صدري.
وفي ليلة هادية من ليالي الشتا، وأنا قاعد في أوضتي الصغيرة جنب وابور الجاز، مسكت الورقة المتين جنيه المكمشة اللي احتفظت بيها طول السنين دي.. بصيت لها بابتسامة مكسورة، وحطيتها جوة مصحفي القديم.
عرفت إن الدنيا فعلاً لفّت ودارت، وربنا جاب لي حقي من نفسي ومن غروري.. وإن الفلوس مش هي اللي بتعمل القيمة، لكن الأصل والضمير ونظافة القلب هما اللي بيبقوا. وعشت باقي أيامي راجل فقير في جيبه، بس نظيف في سعيَه، أملي الوحيد إن ربنا يجمعني بأبويا وندى في مكان أطهر وأعدل من الدنيا دي كلها.
هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.





