قصص قصيرة

جوزي قرر يتبرع

خرج.

وأنا فضلت واقفة.

طلعت الملف.

فتحته بسرعة.

أول ورقة كانت سليمة.

مترتبة.

مطبوعة.

وعليها اسم أحمد.

افتكرت كلام سمير.

“ما تثقيش في الملف لو لقيتي الورقة الأولى سليمة.”

قلبت الورقة.

التانية.

التالتة.

كلها مستندات طبية.

تحاليل.

أرقام.

تقارير.

وفي آخر الملف…

لقيت ورقة متنية بطريقة مختلفة.

فتحتها.

كانت صورة من تحليل وراثي.

اسمي مكتوب فوق.

واسم أحمد.

وفي خانة ثالثة…

مكتوب:

“العينة: جنين أنثى.”

قعدت على كرسي أحمد.

إيه ده؟

إحنا ماعملناش تحليل وراثي للجنين أصلًا.

أو على الأقل…

أنا ماكنتش أعرف.

كملت قراءة.

وفي آخر الصفحة، كان فيه ملاحظة مكتوبة بخط أحمد:

“دي مش بنتنا الوحيدة.”

قريت الجملة مرة.

واتنين.

وتلاتة.

نفسي وقف.

قلبت الورقة بسرعة.

كان فيه تقرير تاني.

اسم مستشفى خاص.

تاريخ من سنتين تقريبًا.

قبل حملي الحالي.

وتحت بند الحالة:

“ولادة أنثى مكتملة.”

الأم: اسم واحدة ماعرفهاش.

الأب:

أحمد محمود عبدالسلام.

إيدي وقعت من على الورق.

همست:

— مستحيل.

أحمد؟

عنده بنت من ست تانية؟

ليه عمره ما قاللي؟

وإزاي؟

فتحت آخر صفحة.

كان فيه صورة طفلة عمرها تقريبًا سنة ونص.

شعرها أسود.

عيونها واسعة.

وفي ضهر الصورة مكتوب بخط أحمد:

“لو وصلتي للصورة دي… اعرفي إن الطفلة مش بنتي.”

اتجمدت.

يعني التقرير بيقول بنت أحمد.

وأحمد بيقول مش بنته.

تحت الجملة كان فيه سطر تاني:

“لكن حد استخدم اسمي علشان يسجلها باسمي.”

وبعدها:

“ونفس الشخص حاول يعمل نفس الحاجة مع بنتنا.”

قلبي بقى يخبط بطريقة مؤلمة.

فتحت الميموري كارد من الشنطة وبصيتلها.

كان واضح إن الإجابة جواها.

لكن أحمد منعني أفتحها على جهازي.

لميت الملف بسرعة.

خرجت من الشركة.

ركبت أول تاكسي قابلني.

قلت للسواق:

— أقرب محل كمبيوتر.

بعد عشر — وفي حد من المستشفى ساعده.

نفسي بقى سريع.

أحمد بص ناحية باب حسيت إيدي بردت.

أحمد كمل:

— وأنا اكتشفت قبل موتي إنهم مش عايزين بنتنا علشان ياخدوها منك وبس.

دموعي وقفت.

اتجمدت.

لكن الصدمة الحقيقية كانت في آخر جملة.

أحمد قال:

— ولو أنا مت قبل الولادة… ماتروحيش المستشفى اللي متابعين فيها حملك.

— لأن الدكتور اللي سلّمك …

هو نفسه واحد منهم.

الفصل الأخير
آخر وعد من أحمد

قفلت الفيديو وأنا مش قادرة آخد نفسي.

آخر جملة أحمد قالها فضلت تلف في دماغي:

“الدكتور اللي سلّمك الظرف… هو نفسه واحد منهم.”

بصيت حواليا جوه محل الكمبيوتر.

الناس ماشية عادي.

صاحب المحل قاعد على الكرسي بيشرب شاي.

عربية عدت في الشارع.

الدنيا كلها طبيعية…

إلا أنا.

أنا في لحظة واحدة اكتشفت إن الراجل اللي كنت فاكرة إنه بينفذ آخر وصية لجوزي…

ممكن يكون جزء من كل اللي أحمد كان خايف منه.

قفلت الميموري كارد بسرعة وشلتها.

ولأول مرة فهمت حاجة.

الدكتور ما ادانيش الظرف لأنه أمين.

أحمد غالبًا كان مجبر يخليه معاه لسبب تاني.

يمكن علشان يراقب رد فعله.

خرجت من المحل.

وأول ما ركبت العربية، موبايلي رن.

نفس الدكتور.

بصيت للاسم.

ما رديتش.

رن تاني.

وبعدين جاتلي رسالة:

“مدام سارة، محتاجين حضرتك ترجعي المستشفى ضروري. في ورق ناقص في إجراءات أحمد.”

ضحكت من غير صوت.

ورق ناقص؟

ما رديتش.

طلبت من السواق يوديني عند أختي نجلاء.

ماكنتش هارجع بيتي.

مش بعد اللي عرفته.

وصلت عندها.

قالت:

— مالك؟ حصل إيه؟

قفلت الباب ورايا.

قلت:

— عايزاكي تسمعيني للآخر، مهما الكلام بان مجنون.

قعدنا.

وحكيتلها كل حاجة.

الظرف.

المفتاح.

الملف.

الطفلة.

خالد.

الدكتور.

نجلاء كانت باصة لي وشها أصفر.

قالت:

— يعني أحمد كان عارف كل ده وساكت؟

هزيت راسي.

— كان بيحاول يثبت.

— وطفلة خالد دي؟

وتحتاج متبرع متوافق بدرجة كبيرة.

أختي قالت:

— يعني هما كانوا فاكرين بنتك ممكن تبقى متوافقة؟

قلت:

— غالبًا.

لكن فيه حاجة كانت لسه مش راكبة.

حتى لو بنتي متوافقة، ليه ياخدوها مني؟

وليه كل التزوير ده؟

وليه اسم أحمد؟

كملت تقليب الأوراق.

وفي جيب صغير في آخر الملف لقيت ورقة مطوية.

ماكنتش شوفتها قبل كده.

فتحتها.

كانت رسالة قصيرة بخط أحمد: وتحت الاسم رقم تليفون.

نجلاء بصتلي.

— نكلمه.

اتصلنا.

أول ما قلت اسمي، الراجل سكت.

وبعدين قال:

— حضرتك تعرفني؟

قال:

— أنا مستني مكالمتك من شهر.

اتفقنا نقابله في مكتبه.

روحت أنا ونجلاء.

وأول ما دخلنا، قفل الباب وطلع ملف كبير من الخزنة.

قال:

— أحمد كان محضر كل ده.

حط قدامي تسجيلات مكتوبة.

نسخ من رسائل.

تحويلات مالية.

وصورة عقد.

قلت:

— إيه ده؟

قال: الدنيا اسودت قدام عيني.

المحامي كمل:

— ولو رفضتي؟

سكت.

حط ورقة قدامي.

— وفي تقارير طبية متجهزة بالفعل.

مسكت الورقة.

اسمي.

رقمي.

وتشخيصات ماحصلتش أصلًا.

قلت:

— مين كتب الكلام ده؟

المحامي رد:

— دكتور المستشفى.

سألت:

— وأحمد عرف إمتى؟

قال المحامي:

— بالصدفة.

أحمد كان بيشتغل على مراجعة حسابات شركة طبية مرتبطة بالمستشفى.

لقى تحويلات مالية باسم خالد.

وبدأ يدور.

ومن هنا عرف قصة الطفلة.

قلت:

— وليه الطفلة اتسجلت باسم أحمد؟

المحامي سكت شوية.

وبعدين قال:

— لأن خالد كان متجوز أم الطفلة عرفيًا فترة ، وبعد خلاف بينهم رفض يعترف بأي حاجة.

— ولما الطفلة مرضت، احتاجوا سجل عائلي منتظم وتحاليل أقارب.

— فاستغل بيانات أحمد القديمة.

حطيت إيدي على رأسي.

— يعني أخو جوزي استخدم اسم جوزي علشان يغطي على نفسه؟

— أيوه.

— وبعد كده عايز بنتي؟

قال:

— دي بنتي! مش بنك أعضاء!

نجلاء مسكت إيدي.

المحامي قال بهدوء:

— وأحمد قال نفس الكلام.

سكت شوية.

وبعدين طلع موبايل قديم.

— فيه تسجيل أخير.

بصيتله.

“أستاذ فؤاد… لو أنا ماقدرتش أكمل، كل الأدلة تتسلم لسارة.”

سكت ياخد نفسه.

“ولو حصللي حاجة أسرع من المتوقع، راجعوا كل الأدوية اللي أخدتها آخر أسبوع.”

بصيت للمحامي.

— يعني إيه؟

قال:

— أحمد شك إن جرعات بعض الأدوية اتغيرت.

حط تقرير قدامي.

همست:

— لقيتوا حاجة؟

رد:

— لسه التقرير النهائي ماوصلش.

وفي نفس اللحظة…

موبايل المحامي رن.

رد.

وشه اتغير.

سكت يسمع.

وبعدين قال:

— ابعتلي النتيجة فورًا.

قفل.

بصلي.

أنا حسيت بالجواب قبل ما يقوله.

قال:

قلبي وقف.

وقفت من مكاني.

المحامي قال:

— ما نقدرش نقول كده قبل .

لكن ملامحه كانت بتقول حاجة تانية.

قلت:

— مين كان بيديله العلاج؟

رد:

— آخر يومين؟

سكت.

— الدكتور نفسه.

نجلاء قربت مني.

المحامي قال:

— إحنا لازم نروح النيابة دلوقتي.

وفعلًا…

كل التسجيلات.

المستندات.

التقارير المزورة.

التسجيلات المالية.

والميموري كارد.

طلبوا مني ما أواجهش حد.

ولا أرد على خالد.

لكن خالد هو اللي وصل لي.

بالليل، وأنا عند نجلاء، موبايلي رن.

رديت بعد ما المحامي قاللي أسجل المكالمة.

خالد قال:

— إنتي روحتي فين؟

قلت:

— عند أختي.

— ليه؟

— تعبانة.

سكت.

وبعدين قال:

— فتحتي الظرف؟

قلت:

— أيوه.

الصمت اللي حصل بعدها كان كفاية.

قال:

— سارة… اسمعيني.

— أنا سامعاك.

— أحمد فهم حاجات .

— زي إيه؟

اتنفس .

— موضوع البنت.

قلت:

— بنتك؟

سكت.

قولت:

— أيوه يا خالد. بنتك.

صوته اتغير.

— مين قالك؟

— أحمد.

قال بسرعة:

— إنت استخدمت اسمه! رد:

— محدش كان هياخدها!

سكت.

قلت:

سكت تاني.

— أنا كنت بحاول أنقذ بنتي!

قلت:

— على حساب بنتي أنا؟

— هي أختها!

سكت أنا المرة دي.

الكلمة نزلت عليا زي الصاعقة.

قلت:

— أختها إزاي؟

— قصدي… قريبتها.

فهمت إنه قالها بالغلط.

بعد ما المكالمة خلصت، بصيت للمحامي.

قلت:

— ليه قال أختها؟

هو كمان كان مركز.

قال:

— لازم نراجع التحاليل الوراثية.

وبالفعل…

التحقيق كشف مفاجأة أخيرة.

الطفلة اللي متسجلة باسم أحمد…

ماكانتش بنت خالد.

كانت بنت أحمد فعلًا.

لكن مش بالطريقة اللي أي حد ممكن يتخيلها.

المركز احتفظ ببيانات حساسة بشكل مخالف للقواعد.

وبعد سنين، حصل تلاعب داخلي واستخدام غير مشروع محفوظة.

ولما خالد اكتشف الموضوع، قرر يخفيه بدل ما يبلغ.

ولأن فيه ناس كبار متورطين.

بدأوا يدوروا على أي قريب بيولوجي ممكن يساعدها.

وهنا ظهرت بنتي.

مش لأنه كان عنده طفلة.

والأسوأ…

إن الدكتور كان واحد من اللي غطوا على الموضوع.

لكن التحقيق أثبت كمان حاجة كنت محتاجة أعرفها.

أحمد لم .

أما أنا…

فولدت بنتي بعد ست أسابيع.

بصيت في وشها.

كان فيها منه كتير.

نفس العين.

نفس تعبير الحاجب.

سميتها:

أمانة.

لأن أحمد قبل ما يموت، سابها في رقبتي .

وبعد شهرين، المحامي فؤاد كلمني.

قال:

— في حاجة أخيرة أحمد سايبهالك.

روحتله.

اداني فلاشة صغيرة.

شغلتها.

أحمد ظهر قدامي.

كان الفيديو متصور قبل بأيام قليلة.

وشه كان تعبان.

لكنه ابتسم.

وقال:

“سارة… لو إنتي بتشوفي ده، يبقى بنتنا غالبًا جات للدنيا.”

عيطت فورًا.

كمل:

“سامحيني إني خبيت عنك.”

“كنت نفسي أقولك كل حاجة وأنا جنبك.”

سكت.

وبعدين ابتسم.

“ممكن أكون ماشفـتش بنتي.”

“بس أنا عارفك.”

“وعارف إنها هتكون بخير معاكي.”

قرب من الكاميرا.

وقال:

“قولي لها إن آخر شهور حياتي كلها كانت مستنيها.”

بس أحمد كمل.

“وفي درج الدولاب عندنا هتلاقي علبة صغيرة.”

جواها سلسلة صغيرة جدًا.

عليها حرف:

وتحتها ورقة:

“أول هدية من بابا.”

حضنت السلسلة وأنا بعيط.

أحمد قال:

“سارة… أنا اخترت أتبرع بأعضائي علشان كنت عايز جزء مني يفضل سبب في إن حد يعيش.”

“لكن الحقيقة إن أكبر جزء مني هيفضل عايش أصلًا.”

ابتسم.

“بنتنا.”

وبعدها قال آخر جملة:

“خليها تعرف إن أبوها ما سابهاش… هو بس سبقها شوية.”

قفل الفيديو.

وأنا فضلت قاعدة قدام الشاشة وقت طويل.

بعد سنة…

وقفت قدام شجرة زرعتها يوم ذكرى أحمد.

حطيت بنتي على رجلي.

وقلتلها:

— شايفة الشجرة دي؟

ضحكت وهي بتحاول تمسك الورق.

قلت:

— دي بتاعة باباكي.

وبصيت للسما.

لأول مرة من يوم …

ماحسيتش إن أحمد اختفى.

لكن الحب اللي بيسيبوه وراهم، بيفضل عايش في ألف صورة.

في طفل.

في ذكرى.

في شخص اتنقذ بعضو اتبرع بيه.

إن آخر سر خباه جوزها عنها…

ماكانش .

ولا كدبة.

كان آخر محاولة منه يحميها هي وبنته…

حتى بعد ما .

تمت.

الصفحة السابقة 1 2

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى