
ابني اللي عنده ١٣ سنة
الفصل الخامس — الراجل اللي كان مستنيه تاني يوم الصبح، صحيت على صوت ابني وهو بيخبط على باب أوضتي. — ماما… هنروح؟ فتحت عيني. كان واقف قدامي لابس نفس الجاكت القديم، وماسك الإيصال والمفتاح في إيده. قلت: — للعنوان؟ هز راسه. — أنا ما نمتش طول الليل. بصيت له. الحقيقة إني أنا كمان ما نمتش.
كل شوية كنت أفتكر جوزي.
رسالته.
كلامه.
والسنين اللي عاشها شايل إحساس بالذنب من غير ما يقولي.
لبست ونزلنا.
العنوان كان في شارع قديم بعيد شوية عن منطقتنا.
فضلنا ماشيين لحد ما وقفنا قدام محل صغير لتصليح وبيع العجل.
اليافطة باهتة.
والواجهة شكلها من زمن.
بص ابني للإيصال.
— هو ده.
دخلنا.
جرس صغير رن فوق الباب.
طلع لنا راجل كبير من جوه الورشة.
شعره أبيض.
ولابس مريلة مليانة شحم.
قال:
— أقدر أساعدكم؟
طلعت الإيصال.
أول ما شافه…
وشه اتغير.
بصلي.
وبعدين بص لابني.
سأل:
— إنت ابن صاحب الإيصال ده؟
ابني قال:
— أيوه.
الراجل ساب الأداة اللي في إيده.
وقرب منه.
فضل باصص له كام ثانية.
وبعدين قال:
— يا سبحان الله…
ومسح عينه بسرعة.
قلت:
— حضرتك كنت تعرف جوزي؟
قال:
— كان صاحبي.
قلبي اتقبض.
الراجل اللي مات وهو بينقذه كان صاحبه.
وده كمان صاحبه.
حسيت إن جوزي كان عنده عالم كامل عمره ما حكاهولي.
الراجل قال:
— استنيت اليوم ده 3 سنين.
ابني سأله:
— كنت مستنيني أنا؟
— أبوك وصاني.
اختفى جوه المحل.
وبعد لحظات سمعنا صوت عجلات بتتحرك على الأرض.
رجع…
وهو بيزق عجلة.
ابني شهق.
العجلة كانت مغطاة بقماش.
شاله.
ظهرت عجلة سوداء جميلة.
مش أحدث موديل.
لكن شكلها جديد تمامًا.
ابني فضل واقف مش بيتكلم.
الراجل قال:
— أبوك اختارها بنفسه.
ابني مد إيده ولمس المقود.
— من 3 سنين؟
— أيوه.
— ولسه عندك؟
ضحك الراجل.
— غيرت لها الكاوتش مرتين وهي واقفة عشان ما تبوظش.
ابني بصله.
— ليه؟
الراجل قال:
— عشان وعدت أبوك إنها هتفضل هنا لحد ما تيجي.
دموع ابني نزلت.
لكن الراجل كمل:
— بس دي مش الحاجة الوحيدة.
دخل تاني.
ورجع بصندوق خشب صغير.
حطه قدامنا.
قال:
— أبوك كان بييجي هنا في آخر شهور حياته.
بصلي.
— كان عارف إنه ممكن ما يلحقش يعمل حاجات كتير.
قلت:
— كان عارف إنه هيموت؟
هز راسه.
— كان حاسس إن وقته قليل.
فتحت الصندوق.
جواه دفتر صغير.
وأظرف كتير.
على كل ظرف رقم.
ابني سأل:
— إيه الأرقام دي؟
الراجل ابتسم.
— سنك.
مسك ظرف رقم 14.
— أبوك كتب لك جواب لكل عيد ميلاد كان خايف ما يكونش موجود فيه.
ابني حط إيده على بقه.
أنا نفسي ماقدرتش أتماسك.
قلت:
— ليه ما وصلتهمش؟
الراجل قال:
— وصيته كانت واضحة.
“ما تدورش على ابني. لو جه هو بنفسه ومعاه الإيصال، اديله كل حاجة.”
ابني قال:
— ليه؟
الراجل رد:
— قال إنه لو وصلت لهنا بنفسك، يبقى أكيد حصل شيء خلاك تدور وراه… وساعتها هتكون مستعد تسمع.
بص ابني للصندوق.
وبعدين قال:
— ينفع أفتح أول جواب؟
الراجل ابتسم.
— ده بتاعك.
فتح ظرف رقم 14 رغم إن عيد ميلاده لسه بعد شهور.
قرأ:
“كل سنة وإنت طيب يا بطل.
يمكن تكون أطول مني دلوقتي… ويمكن لسه قصير وبتكدب على نفسك.
بس عايز أقولك حاجة:
مهما كبرت، ما تستعجلش تبقى راجل قبل وقتك.
عيش سنك.
اتعلم.
العب.
غلط.
وارجع لمامتك لما تتعب.
ما تعملش زيي وتحاول تصلح كل حاجة لوحدك.”
ابني وقف عن القراءة.
عينيه اتمَلوا دموع.
وأنا حضنته.
لكن الراجل الكبير قال:
— لسه فيه آخر حاجة.
فتح درج تحت الترابيزة.
طلع ملف.
وقال:
— أبوك ساب ده باسمك.
فتحت الملف.
لقيت حساب توفير صغير.
مش ثروة.
لكن مبلغ محترم.
قال الراجل:
— كل شهر كان يحط فيه جزء من دخله.
ابني همس:
— عشان العجلة؟
الرجل هز رأسه.
— لأ.
وقلب الصفحة الأخيرة.
كان جوزي كاتب:
“تعليم ابني.”
بصيت لابني.
وقلت:
— شايف؟
الراجل الكبير ابتسم وقال:
— أبوك كان عايزك تكبر… مش تشيل الدنيا مكانه.
لكن ابني سأل فجأة:
— طب والعيلة اللي بابا كان بيساعدها؟
الراجل بص له.
وسكت.
وبعدين قال:
— واضح إن أبوك نجح يربيك حتى بعد ما مشي.
ابني قال:
— أنا مش هقدر أسيبهم.
الراجل رد:
— محدش قالك تسيبهم.
ثم بصلي.
— بس يمكن المرة دي… الكبار هما اللي يساعدوا.
الفصل السادس — أول مرة طلب المساعدة
رجعنا البيت بالعجلة.
طول الطريق، ابني كان ماشي جنبها.
رفض يركبها.
قلت:
— مش دي الحاجة اللي نفسك فيها من شهور؟
قال:
— نفسي أركبها أول مرة وبابا معايا.
بصيت له باستغراب.
فضحك بحزن.
— هحط صورته في الشنطة وأركب.
حضنته.
لكن كنت عارفة إن لسه عندنا مشكلة.
العيلة.
الست المريضة.
الأطفال.
والإيجار.
ابني كان عايز ياخد جزء من الفلوس اللي أبوه سايبها.
رفضت.
قال بعصبية:
— يعني نسيبهم يترموا في الشارع؟
— لأ.
— أمال نعمل إيه؟
قلت:
— نعمل الحاجة اللي أبوك طلبها منك.
— إيه؟
— ما نشيلش كل حاجة لوحدنا.
اليوم اللي بعده، رجعت للمطعم.
المدير أول ما شافني قال:
— أنا آسف لو المكالمة خوفتك.
قلت:
— بالعكس… أنا اللي لازم أشكرك.
حكيت له كل حاجة.
عن الرسالة.
وعن أبو الأطفال.
وعن جوزي.
وعن السبب اللي خلّى ابني يعمل اللي عمله.
الراجل سكت فترة.
وبعدين قال:
— أنا كنت حاسس إن الموضوع أكبر من مجرد صدقة.
قلت:
— بس كفاية عليه لحد هنا.
هز رأسه.
— متفقة.
بدأنا نسأل عن طرق مساعدة آمنة ومنظمة.
صاحب المطعم عرض على أم الأطفال شغلًا مناسبًا لما حالتها الصحية تتحسن.
والعاملين جمعوا مبلغًا بسيطًا للإيجار بشكل معلن بدل ما طفل يفضل شايل الحمل.
واحدة من الزباين كانت تعرف جمعية بتساعد الأسر المتعثرة.
وفي خلال أسابيع…
الأم بدأت تتلقى مساعدة منتظمة.
والأطفال بقوا عندهم احتياجات المدرسة الأساسية.
ولأول مرة…
ابني قبض مرتبه وماصرفوش عليهم.
رجع البيت بالظرف.
حطه على السفرة.
فضل يبصله.
قلت:
— مالك؟
قال:
— حاسس إني أناني.
قعدت جنبه.
— عشان احتفظت بفلوسك؟
— أيوه.
قلت:
— أبوك كان هيقولك إيه؟
فكر.
وبعدين ضحك.
— “عيش سنك.”
قلت:
— بالضبط.
فتح الظرف.
قسم الفلوس نصين.
قلت:
— بتعمل إيه؟
قال:
— النص ده هحوشه.
— والنص التاني؟
ابتسم.
— هصرفه.
قلت بفرحة:
— أخيرًا!
قال:
— هشتري خوذة للعجلة.
ضحكت.
— كنت خايفة تقول هتشتري كرتونة مكرونة.
ضحك لأول مرة من قلبه.
لكن بعد أسبوع…
حصل شيء ماكنتش متوقعاه.
خبط على بابنا حد.
فتحت.
لقيت أم الأطفال.
شكلها كان أحسن.
وفي إيدها كيس صغير.
قلت:
— اتفضلي.
دخلت.
ابني كان في الصالة.
أول ما شافها قام.
قال:
— حضرتك كويسة؟
ابتسمت.
— بقيت أحسن.
قربت منه.
ومدّت له الكيس.
— ده ليك.
قال بسرعة:
— لأ، أنا مش عايز حاجة.
قالت:
— افتحه الأول.
فتح.
جواه حصالة صغيرة على شكل عجلة.
ضحك.
وقالت:
— ولادي حوشوا تمنها من مصروف بسيط اتجمع لهم.
ابني عينيه دمعت.
— ليه؟
قالت:
— عشان يتعلموا إن اللي بياخد مساعدة… ممكن في يوم يبقى هو اللي بيساعد.
وبعدين بصتلي.
وقالت:
— وجوزك ماكانش مديون لنا بحاجة.
سكتت لحظة.
— جوزي اختار يرجع ينقذه. محدش أجبره.
دموعي نزلت.
قالت:
— أنا فضلت سنين زعلانة… بس دلوقتي فهمت إن إحساس الذنب كان بيأكل جوزك أكتر من أي حد.
ابني سألها:
— كنتِ بتكرهي بابا؟
بصت له فترة.
وقالت:
— في الأول كنت فاكرة إني بكرهه.
ثم ابتسمت.
— بعدين عرفت إني كنت بكره اللي حصل… مش أبوك.
ابني نزل عينه.
قالت له:
— وإنت عملت حاجة جميلة.
وبعدين أشارت لقلبه.
— بس ما تخليش الطيبة تتحول لحمل فوق ضهرك.
كانت نفس رسالة أبوه تقريبًا.
ولأول مرة…
شفت ابني يتنفس كأنه كان شايل وزن تقيل ونزله.
الفصل السابع والأخير — أول مشوار بالعجلة
عدّى كام شهر.
وجاء عيد ميلاد ابني الـ14.
الصبح، صحاني بدري.
— ماما.
فتحت عيني.
— إيه؟
كان ماسك ظرف رقم 14.
الجواب اللي فتح جزء منه قبل ميعاده.
قال:
— النهارده أقدر أقراه رسمي.
قعدنا جنب بعض.
قرأ الباقي.
كان أبوه كاتب:
“لو عندك عجلة دلوقتي، افتكر تلبس الخوذة.
ولو مامتك قالتلك ارجع قبل المغرب، ارجع قبل المغرب.
أنا عارفك وهتحاول تفاصل.
ما تفاصلش.
هي غالبًا صح.”
ابني انفجر ضحك.
وأنا قلت:
— حتى وهو مش موجود واقف في صفي.
كمل القراءة:
“وفي عيد ميلادك الـ14، نفسي أطلب منك أول طلب حقيقي.
سامح نفسك على أي حاجة مقدرتش تعملها.
إنت مش مسؤول عن إنقاذ العالم.
بس لو قدرت تخلي يوم حد أحسن بكلمة أو موقف كويس، اعملها.
وبعدين كمل طريقك.”
ابني سكت.
قفل الرسالة.
وقام.
قلت:
— رايح فين؟
قال:
— أول مشوار بالعجلة.
لبس الخوذة.
حط صورة أبوه الصغيرة في الشنطة الأمامية.
ونزلنا.
أنا كنت ماشية جنبه.
قال:
— ماما، مش هتركبي ورايا يعني.
قلت:
— أنا عايزة أشوفك أول ما تقع.
— تشجيع عظيم.
ضحكنا.
وصلنا قدام المطعم.
المدير والعمال كانوا مستنيينه.
صفقوا له لما وصل.
العجلة اللي فضل ست شهور يقول إنه بيحوش عشانها…
كانت أخيرًا تحت إيده.
لكن دلوقتي معناها مختلف.
ما بقتش مجرد حاجة غالية نفسه فيها.
بقت آخر هدية اختارها أبوه بنفسه.
وقف المدير وقال:
— طب ما تجربها بقى بدل ما إنت ماشي جنبها من ساعة ما خدتها؟
ابني ركب.
بدأ يتحرك.
وبعد مترين وقف فجأة.
بصلي.
— نسيت حاجة.
— إيه؟
رجع.
حضني.
وقال:
— آسف إني كدبت عليكي.
قلت:
— وأنا مسامحاك.
بعدته عني شوية.
— بس لو عملتها تاني…
ضحك.
— عارف.
ركب العجلة.
وانطلق.
فضلت واقفة بتفرج عليه وهو بيبعد.
وفي اللحظة دي، فهمت حاجة.
أنا طول الشهور اللي فاتت كنت فاكرة إن ابني بيكبر بسرعة.
لكن الحقيقة…
إنه كان بيحاول ياخد مكان أبوه.
يشيل.
ويحمي.
ويصرف.
ويخبي تعبه.
وفاكر إن دي الرجولة.
لكن أبوه، من خلال رسالة قديمة، علمه أهم درس:
إن القوة مش معناها إنك ما تحتاجش حد.
وإن مساعدة الناس مش معناها تضيع نفسك.
وإن الطفل…
من حقه يفضل طفل.
بعد شهور، العيلة اللي كان بيساعدها وقفت على رجليها.
الأم بدأت شغلها.
والأطفال رجعوا ينتظموا في دراستهم.
وابني؟
فضل يشتغل يوم السبت فترة، لكن باتفاق واضح ومع الاهتمام بدراسته وراحته.
وبقى كل أسبوع لما يقبض…
يرجع البيت ويحط جزءًا في حصالته.
وأحيانًا يشتري لنفسه حاجة.
وأحيانًا يساهم بمبلغ صغير في مساعدة حد، لكن من غير أسرار.
وفي يوم سألته:
— بتحوش لإيه المرة دي؟
ابتسم.
قلت:
— عجلة تانية؟
قال:
— لأ.
— أمال إيه؟
طلع من شنطته صورة.
كانت صورة قديمة ليا أنا وأبوه وهو صغير.
وقال:
— رحلة.
— رحلة فين؟
— أي مكان كان بابا نفسه ياخدنا له وما لحقش.
ابتسمت.
وقلت:
— المرة دي أنا هدفع.
بصلي بجدية مصطنعة.
— النص بالنص.
ضحكت.
— ماشي.
وفي الليل…
دخلت أوضته.
لقيت صندوق رسائل أبوه فوق المكتب.
جنب الحصالة.
وجنبها ورقة صغيرة ابني كاتبها لنفسه:
“مش لازم أصلح كل حاجة لوحدي.”
بصيت للجملة فترة.
وطفيت النور.
وقبل ما أقفل الباب، سمعت صوته:
— ماما؟
— نعم؟
— بابا كان هيبقى فخور بيا؟
وقفت.
قلت:
— جدًا.
سكت لحظة.
وبعدين ضفت:
— بس كان هيبقى أفخر بيك دلوقتي… عشان أخيرًا عرفت إنك مش لازم تبقى هو.
ابتسم.
— تصبحى على خير.
— وإنت من أهله يا حبيبي.
قفلت الباب.
ووقتها فهمت إن جوزي صحيح ساب لنا أسرار وجعته…
لكنه ساب لنا معاها حاجة أهم.
ساب رسالة وصلت متأخرة 3 سنين…
لكنها وصلت في اللحظة اللي ابنه كان محتاج يسمعها فيها بالضبط.
تمت.
#حكايات_اسما_السيد
الكاتبة أسما السيد
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”
هذه القصة من وحي خيال المؤلف لا تمت للواقع بصلة





