
بعد ان دفنت طفلي – محمد نور
دمعت عيناها:
— لم أرد التدخل في زواجكما!
— بل أردتِ، وأنا تأخرتُ سنوات لأعترف بذلك لأن البديل كان الاعتراف بأن زوجي كان يسمح لكِ بذلك.
وقف طارق وقال:
— يكفي!
نظرتُ إليه:
— ستدافع عنها مجدداً؟
توقف طارق مكانة، وبكت وفاء ثم انسحبت حين لم يركض خلفها كالعادة.
خلال الأيام الخمسة التالية، تحول طارق إلى الزوج الذي تمنيته لثماني سنوات: يعود مبكراً، يعد الإفطار، يرافقني للفحوصات، ويرفض اتصالات وفاء أمامي. حتى إنه أصلح الرف المكسور في المطبخ الذي وعد بإصلاحه منذ دهر.
لكن الأمر كان مأساوياً؛ لأنه كان يفعل كل شيء بطريقة صحيحة… في وقت لم أعد أشعر فيه بأي شيء.
في اليوم الرابع، وجد الصناديق التي جمعتُ فيها ملابسي وكتبي وصور زيد.
قال بصوت مكسور:
— 10 سنوات مدة طويلة… قد تتغير أمور كثيرة، ربما حين تعودين…
قطعتُ حديثه:
— لا، أنا لا أكرهك يا طارق، فالكره يعني أنك ما زلتَ تأخذ مساحة داخل قلبي… أنا فقط لم أعد أهتم.
صباح الطلاق، كانت الأمطار تهطل.
حضر طارق بزي مدني، كان يبدو منهكاً ولم ينم منذ أيام.
أمام الموظف القضائي، طلب طارق التحدث معي لست دقائق.
حين أُغلق الباب قال:
— لا توقعي يا سارة… أنا فشلتُ معكِ ومع زيد، وقضيتُ شهوراً أقنع نفسي بعدم ذنبي لأنني لم أستطع تحمل الحقيقة. حين طلبتِ مني ألا أترك زيد مع وفاء، ظننتها غيرَة، لأن تصديق ذلك كان أسهل عليّ… كنتُ أحب شعور أن هناك شخصين يحتاجان إليّ، معكِ كان لدي البيت والاستقرار، ومع وفاء كنتُ أشعر بأنني لا أُستبدل!
4
بعد ان دفنت طفلي – محمد نور
كانت تلك أصدق كلمات قالها في حياته.
تابَعَ ودموعه تتساقط:
— لم تكن بيننا أي علاقة جسدية قط!
أجبتُه:
— الخيانة لا تبدأ من السرير يا طارق.
مسكتُ القلم ووقعتُ، وتأخر هو ثلاثين ثانية قبل أن يوقع. انتهى كل شيء بجرّة قلم في الساعة 10:17 صباحاً.
قبل مغادرتي البلاد، زرتُ قبر زيد تحت شجرة البلوط، وضعتُ مجسمات الديناصورات الصغيرة وبكيتُ للمرة الأولى:
— سامحني يا حبيبي لأنني لم أستطع حمايتك…
سمعتُ خطى خلفي. كان طارق يحمل سيارته الشاحنة الحمراء الصغيرة، وضعها بجانب الزهور وقال بصوت خافق:
— أعدتُ فتح التحقيق يا سارة… وفاء أُوقفت عن العمل وتمت محاكمتها.
نظرتُ إليه باستغراب، فأخرج مظروفاً يحتوي على رسائل استخرجها الادعاء من هاتفها، كانت قد كتبتها لصديقتها في ذلك الصباح: “سآخذ الولد إلى المقهى المجاور للنهر، طارق يذهب معي إلى هناك دائماً، علّ سارة تفهم أنها ليست كل شيء في حياته”.
كانت قد مسحت الرسائل واختلقت قصة أن زيد هو من طلب الذهاب للمقهى، وطارق صدقها وكذّبني أنا!
جثا طارق على ركبتيه أمام القبر وقال:
— أنا لا أفعل هذا لأستعيدكِ، بل لأن طفلي يستحق ألا أكون جباناً بعد الآن.
غادرتُ البلاد بهوية جديدة “إليزابيث”، وعملتُ ضابطة استخبارات في مهمة سرية بشرق أوروبا.
خلال السنوات الأولى، تعلمتُ كيف أعيش بمفردي، تعلمتُ لغات جديدة، وأدركتُ أن الوحدة هي انتظار شخص كي يعود، أما الحرية فهي التوقف عن الانتظار.
بعد سنوات، نجحتُ مع فريقي في تفكيك الشبكة التي تسببت في مأساة طفلي، وجلبنا كل المتورطين إلى العدالة.
وعندما انتهت السنوات العشر، عدتُ إلى وطني.
كانت زيارتي الأولى للقبر. هناك وجدتُ زهوراً طازجة ومجسم ديناصور جديد.
وفجأة سمعتُ صوته خلفي:
— أهلاً سارة.
التفتُّ لأجد طارق. شاطر الشيب شعره، ولم يعد يرتدي الزي العسكري.
قال لي إنه تقاعد وأنشأ وحدة خاصة لحماية أطفال العسكريين من الخطف وأسماها باسم “زيد”.
لم أشعر بغضب ولا بحب، بل بنوع من السلام الجميل.
سألني:
— هل أنتِ بخير؟
ابتسمتُ وقلتُ:
— نعم، أنا بخير حقاً.
بعد عامين، التقيتُ بـ “دانييل”، رجل بسيط يعمل أستاذاً للتاريخ، أحبني وأحب ذكرى طفلي دون أن يحاول إلغاء ماضيّ أو استبداله.
حين تقدم لخطبتي، اشترطتُ عليه ألا يعني حبنا أن نلغي ذواتنا، فوافق باحترام.
اليوم، لم يعد طارق المركز الذي يدور حوله عالمي، بل أصبح مجرد فصل قديم في كتاب حياتي.
تعلمتُ أن التسامح لا يعني العودة، وأن كرامتي وإنسانيتي هما أغلى ما أملك.
أدركتُ أخيراً أن بعض الخسارات ليست نهاية المطاف، بل هي البداية الحقيقية لنبني حياة لا نحتاج فيها للرجاء من أحد كي يختارنا.
النهاية
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”





