قصص قصيرة

انا عروسة جديدة

العمارة والجيران لما اتمدت إيدك عليا، تتصلح قدام نفس الناس؛ تعتذرلي رسمي وتبرّئ ساحتي قدام كل جار سمح لنفسه يسمع أو يظن فيا سوء.
ثانياً شقة بيت العيلة دي رجلي مش هتعتبها تاني أبداً؛ مفيش عيشة في بيت مشترك مع أي حد، بيت مقفول عليا وعليك في مكان تاني بعيد عن سموم الماضي ده كله. وثالثاً تتكتب شقة الزوجية الجديدة باسمي بالكامل في الشهر العقاري، ضماناً لحقي عشان إيدك اللي رفعتها دي تفكر ألف مرة قبل ما تكررها، وتعرف إن خروجي من بيتك وقتها هيكون بخسارتك لكل حاجة سقطت الكلمات على مسامع كبار عائلة حازم كوقع الحسام، ونظر بعضهم إلى بعض بذهول من جرأة الشروط وثقلها المادي والمعنوي.
لكن عمهم الأكبر، الحاج عبد الرحمن، أومأ برأسه بوقار وقال حقك يا بنتي، واللي يفرّط في عرض مراته ويصدق عليها رمية باطل يستاهل يدفع تمن جهله، والشروط دي تقيلة بس توزن كرامة بيت الحاج رجب التفتت الأنظار كلها نحو حازم، فإذا به يقف على قدميه بلهفة، ويمسح دموعه بكم قميصه دون تردد، وقال بصوت مهتز ممزوج بالرجاء موافق يا نور.. والله العظيم موافق على كل حرف! لو طلبتي روحي هكتبهالك، البيت اللي كنت بجهزه كاستثمار في المدينة الجديدة هيكون باسمك بكرة الصبح، والاعتذار هعمله الليلة قدام الكل، بس اديني مهلة أثبتلك إني اتعلمت الدرس وإني راجل يستاهلك.
قاطعه والدي بصرامة هزت أركان الغرفة الموافقة بالكلام سهلة يا حازم، والفعل هو اللي هيثبت. بنتي هتفضل في بيتي، معززة مكرمة، مش هتشوف وشك ولا هتسمع صوتك لحد ما كل الشروط دي تتنفذ حرفياً، وساعتها بس هيكون القرار في إيدها هي، ترجعلك وتبدأوا صفحة جديدة، أو تاخد حقها وتختار طريقها لحالها، والمهلة شهر واحد من الليلة انفض المجلس العرفي، وغادر رجال عائلة حازم وهم يجرون أذيال الخزي من فعلة سمر وتهور ابنهم. وخلال الأيام التي تلت ذلك، تحولت حياة حازم إلى جحيم من السعي الدؤوب للتكفير عن خطيئته؛

لم يترك باباً إلا وطرقه، فقام بالفعل بجمع الجيران في مدخل عمارة بيت العيلة، وأعلن بصوت واضح براءتي التامة واعتذر عن سوء ظنه وتهوره، مبيناً مؤامرة سمر القذرة التي أودت بزواج أخيه طارق إلى الطلاق النهائي بعد فضيحة التسجيلات. كما بدأ حازم يتردد على مكاتب الشهر العقاري، متحملاً نفقات باهظة وتنازلات قاسية، حتى نقل ملكية الشقة الجديدة بالكامل باسمي، وأرسل الأوراق الرسمية مع عمه إلى والدي، مرفقة بتقرير واعتذار مكتوب بخط يده يفيض بالندم والتوسل. لكن الصدمة الحقيقية التي لم يتوقعها أحد، ولم تكن في حسبان حازم أو أهله، جاءت في نهاية ذلك الشهر بالذات.
شعرتُ بإعياء مفاجئ ودوخة لم أعهدها، وبعد إجراء التحاليل والفحوصات الطبية، دوّت المفاجأة في أرجاء بيت أبي كالقنبلة؛ أنا حامل في شهري الثاني. وقف والدي ينظر إلى التقرير الطبي وعيناه تفيضان بمشاعر متضاربة بين الفرح بقدوم حفيد، والغضب على مصير زواج يقف على حافة الهاوية. نظرتُ إلى الأوراق الرسمية التي تثبت ملكيتي للشقة، ثم إلى تقرير الحمل الصادر من الطبيب، وشعرتُ بأن الأقدار تعبث بي في دوامة لا ترحم.
كان حازم يقف في تلك الأثناء تحت نافذة غرفتي في الشارع، كعادته كل ليلة، ينتظر إشارة واحدة أو كلمة عفو، دون أن يدري بالسر الجديد الذي أحمله في بطني، ولا بالقرار المصيري والمفاجئ الذي عقدتُ العزم على تنفيذه في اللقاء الحاسم المنتظر. مرت الليلة الأخيرة من الشهر كأنها دهر كامل، وقفتُ فيها أمام مرآتي أتأمل ملامحي التي صقلتها المحنة وجعلت نظراتي أكثر نضجاً وقوة.
لم أعد تلك العروس الساذجة التي تندفع بعفوية لخدمة الجميع دون حساب للعواقب أو معرفة بقلوب البشر، بل أصبحت امرأة تعرف تماماً كيف تنتزع حقها وكيف تضع حدوداً فاصلة لا يتجرأ أحد على تجاوزها. في صباح اليوم التالي، طلبتُ من والدي أن يدعو حازم وعمه الكبير لجلسة أخيرة في بيتنا؛ جلسة إسدال الستار. حضر حازم في الموعد المحدد، وكان مظهره يروي قصة شهر من العذاب النفسي؛
فقد وزناً كبيراً، وبدا الشحوب على وجهه، لكن بريق الأمل اشتعل في عينيه فور أن رآني أدخل الصالة. تقدم خطوة نحوي ثم تراجع احتراماً لشرط أبي، وبقي واقفاً ويداه ترتجفان، منتظراً كلمة واحدة تحدد مصيره. جلستُ بجوار أبي، ووضعتُ على الطاولة أمامي ملفين الملف الأول يحتوي على عقود ملكية الشقة الجديدة الموثقة في الشهر العقاري باسمي، والملف الثاني هو تقرير الفحص الطبي الذي يثبت حملي.
تنحنح عم حازم، الحاج عبد الرحمن، وقال بصوت خافت يا بنتي يا نور، حازم نفّذ كل شروطك بحذافيرها، والاعتذار رد كرامتك قدام البلد كلها، والشقة اتكتبت ليكي زي ما طلبتي، وإحنا النهاردة جايين نسمع حكمك النهائي اللي مفيش بعده مراجعة نظرتُ إلى حازم ملياً، ورأيتُ في عينيه دموعاً محبوسة وخوفاً حقيقياً من الفقدان. رفعتُ تقرير الطبيب وأزحتُه نحو منتصف الطاولة، وقلت بصوت هادئ ورزين اخترق صمت الغرفة قبل ما أقول قراري.
. في أمانة تانية دخلت بيننا، أنا حامل في شهرين سقطت الكلمات عليه كصدمة كهربائية شلت حركته؛ اتسعت عيناه، وفتح فمه محاولاً استيعاب المفاجأة، ثم انهمرت دموعه بغزارة لا توصف، وركع على ركبتيه أمام أبي وهو يضع يديه على وجهه وينتحب فرحاً وندماً في آن واحد الحمد لله.. يا رب لك الحمد! والله العظيم هكون أب يستاهل، هعوضك عن كل دمعة نزلت من عينك، ومش هخلي الهوا يلمسك يا نور!.أشرتُ له بيدي ليتوقف، فتجمد مكانه ورفع بصره نحوي وهو يرتجف.
تابعتُ حديثي بثبات لا يقبل المساومة اسمعني كويس يا حازم، الحمل ده مكنش في الحسبان، ومش هو السبب الوحيد اللي هيحدد مصيرنا، لكنه أضاف مسؤولية أكبر. أنا قبلت أرجعلك وأبدأ معاك صفحة جديدة في بيتنا الجديد المستقل، مش عشان دافع الضعف، لكن لأنك أثبتت بالفعل مش بالكلام إنك شاري بيتك ومستعد تضحي وتتحمل نتيجة غلطتك. لكن افتكر كلامي ده كويس واحفره في قلبك الكف اللي اترد في وشه كف، يقدر يرد بقطيعة أبدية لو اتكرر الشك أو اتمدت الإيد تاني.
كرامتي خط أحمر، هي اللي هتحمي بيتنا وهتربي ابننا على الأصول والعزة وقف حازم واقترب ببطء وعيناه تفيضان بالامتنان العظيم، وانحنى ليقبّل رأس أبي احتراماً واعتذاراً، ثم التفت نحوي وقال بصوت متهدج صادق نابع من أعماق قلبه وعد رجالة قدام أبوكي وعمي، وعمري ما هنسى الدرس طول ما فيا نفس.. كرامتك من كرامتي، وراسك هتفضل دايماً مرفوعة أما سمر، فقد دفعت ثمن حقدها كاملاً؛
طلقها طارق طلاقاً بائناً لا رجعة فيه، وانكشفت سرقاتها وديونها أمام عائلتها، لتجد نفسها منبوذة ومحاصرة بالفضائح والقضايا التي رفعها طارق لاسترداد أمواله. بينما طوى بيتنا تلك الصفحة المظلمة، وانتقلنا إلى حياتنا الجديدة بعيداً عن أدران الماضي، وقد تعلّم الجميع أن الشرف لا يُداس، وأن المرأة التي تعرف كيف تدافع عن حقها تصنع احترامها بيدها وتجبر الدنيا كلها على الانحناء لأصلها الطيب.

الصفحة السابقة 1 2 3 4

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى