
٦ دكاترة
“دكتور أحمد.. أرجو منك أن تمنحني دقيقتين فقط. لا يمكننا السماح لها بالخروج الآن.”
توقف الطبيب مكانه، وظهرت على وجهه علامات الاستغراب والدهشة. نظر إلى الأوراق التي في يده ثم إلى نور، وسأل:
“نور، الحالة عُرضت على لجنة كاملة، والأشعة لا توجد بها أي مشاكل عظمية. ما الذي غير رأيك؟”
أجابت نور بثقة هادئة مستندة إلى البيانات التي سجلتها: “العظام سليمة يا دكتور، هذا صحيح تماماً. لكن الدورة الدموية في الساق اليمنى مختلفة تماماً عن اليسرى. هناك فارق واضح في درجات الحرارة، وصوت النبض عبر الدوبلر يؤكد وجود تراجع في التروية. أرجو أن تعيد الفحص بنفسك.”
شعر الدكتور أحمد بجدية الموقف من نبرة الممرضة الشابة. وضع الملف على الطاولة المجاورة، وارتدى قفازاته الطبية بسرعة. اقترب من السرير، وبدأ فحصاً دقيقاً ومستقلاً بعيداً عن أي ضغوط خاصة بمواعيد الخروج. لم يستغرق الأمر سوى دقائق معدودة حتى تغيرت تعبيرات وجهه تماماً. أخذ أوراق المغادرة من على السرير ومزقها بهدوء، ثم التفت نحو سلمى وقال بنبرة تتسم بالمسؤولية الكاملة:
“ملك لن تخرج اليوم. سنقوم بتحويل ملفها فوراً إلى قسم جراحة الأوعية الدموية لمزيد من الفحوصات المتخصصة.”
سقط الحذاء الوردي من يد سلمى على الأرض الخشبية بهدوء، ووضعت يدها على فمها وهي تقول بصوت متقطع: “يا إلهي.. هل هناك خطر عليها؟”
اقتربت نور وربتت على كتف الأم بحنان بالغ: “لا تقلقي يا أمي، نحن اكتشفنا الأمر في الوقت المناسب تماماً. بوجودنا هنا معاً، ستكون في أمان تام.”
مرت الساعات التالية في القسم بهدوء منتظم، رغم حالة الاستنفار اللطيفة التي رافقت وصول اختصاصي الأوعية الدموية. بعد سلسلة من الفحوصات الدقيقة وصور الأوعية الملونة، تبين وجود ضغط مؤقت على أحد الأوعية الدموية الرئيسية خلف مفصل الركبة نتيجة التورم الداخلي غير المرئي في الأشعة العادية، وهو أمر نادر الحدوث لكنه يتطلب تدخلاً طبياً دقيقاً وسريعاً لتفادي أي مضاعفات مستقبلية على نمو الساق.
في غرفة المتابعة، كانت ملك قد خضعت لجلسة علاج طبيعي أولية خففت الكثير من آلامها، واستعادت تدريجياً الإحساس الطبيعي في قدمها بفضل المتابعة اللحظية من الفريق الطبي. كانت تجلس على السرير مرتدية بيجاماتها القطنية المريحة، بينما وضعت سلمى الحذاء الوردي فوق الطاولة بعناية.
فتحت نور باب الغرفة ودخلت ومعها صينية صغيرة تحمل كوباً من الحليب الدافئ وبعض البسكويت الخفيف لملك. ابتسمت الطفلة وقالت:
“أبله نور.. هل ستسمحين لي بالخروج غداً؟”
جلست نور على حافة السرير وقالت بمرح دافئ: “إذا تناولتِ هذا الكوب كله، وعدتكِ أنني سأطلب من الدكتور أحمد أن يسمح لكِ بالعودة للمنزل في نهاية الأسبوع مع وصفة بسيطة للتمارين المنزلية.”
شاركت سلمى في الحديث وهي تبتسم براحة غامرة لم تكن تظن أنها ستشعر بها قبل ساعات قليلة. قالت للأم العزباء التي قضت سنوات تربي ابنتها وحدها بجهد وعزيمة:
“أشكركِ من قلبي يا نور. لولا لطف الله ثم نباهتكِ، لكنتُ في الطريق إلى البيت الآن، ولا أعرف ماذا كان سيحدث لابنتي في السيارة.”
ردت نور بتواضع وبساطة: “هذا واجبنا يا أستاذة سلمى. العمل في التمريض ليس مجرد تنفيذ لتعليمات مكتوبة، بل هو قراءة لتفاصيل صغيرة تهمس بها أرواح المرضى قبل أجسادهم.”
في تلك اللحظة، فتح الدكتور أحمد الباب ومعه تقرير الأوعية الدموية الأخير، وابتسامة عريضة تملأ وجهه:
“الأمور ممتازة يا جماعة. تدفق الدم عاد إلى معدلاته الطبيعية تماماً، والورم انحسار بفعل الأدوية والمتابعة. ملك أثبتت أنها شجاعة حقاً.”
عمت أجواء من الارتياح العيق في الغرفة. تحولت التجربة القاسية التي بدأت بقلق مبهم إلى درس جميل في أهمية الإصغاء للملاحظات الصادقة والتكامل بين أفراد الأسرة والطاقم الطبي.
مع حلول المساء وهدوء ممر المستشفى، كانت الأنوار تخفت تدريجياً، وبدأت أصوات المرضى تخلد إلى الراحة. وقفت نور بجانب نافذة القسم المرتفعة، تنظر إلى أضواء القاهرة الخافتة من بعيد، بينما كانت تمسك بملف المتابعة الخاص بملك لتسجيل التقرير النهائي قبل تسليم النبطشية لزميلتها في وردية الليل.
دخلت سلمى ومعه ملك التي كانت تغفو تدريجياً بعد يوم طويل ومتعب. مررت الأم يدها على شعر ابنتها الحبيبة بحنان، ثم التفتت نحو نور وقالت بامتنان عميق لا توفيه الكلمات:
“تصبحين على خير يا نور.. لقد أعدتِ لي اطمئناني على ابنتي الوحيدة.”
أجابت نور بابتسامة دافئة وهي تعود لعملها: “وأنتِ من أهل الخير يا أمي.. ملك في أمان، وهذا هو كل ما نتمناه.”
عادت الحياة في المستشفى إلى إيقاعها الهادئ المعتاد، وظلت قصة ملك ونور نموذجاً حياً على أن الإنسان حين يُخلص في عمله، فإنه لا يؤدي وظيفة فحسب، بل يصنع فارقاً حقيقياً في حياة من حوله.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”





