
جوز امي بيعذبني انجي الخطيب
المسامحة مش دايماً بتكون الحل، فيه أخطاء وثمن بيلزم صاحبه يدقعه لآخر يوم في عمره.
النهاردة، لما بفتكر الليلة دي ورائحة المطهرات ونور الطوارئ وصوت الظابط وهو بيقفل الكلبشات على إيد سامح، مش بحس بالخوف.. بحس بالفخر. بحس إن البنتين الصغيرين اللي كانوا بيترعشوا تحت لوح الخشب وهم بيخبوا الموبايل، قدروا ينتصروا على الشر، ويغيروا قدرهم بأيديهم.
النهارده، أنا وملك فتحنا مكتبنا الخاص؛ مكتب مستشارك القانوني والدعم النفسي للضحايا. مكتوب على اليافطة العريضة اللي على الباب اسم بابا حسن.
المكتب ده مش مجرد مكان شغل، ده كان الملجأ اللي اتمنينا نلاقيه وإحنا في سن السبعتاشر.
في يوم، جيلنا حالة جديدة.. بنت عندها ستة عشر سنة، دخلت المكتب وهي بتبص وراها برعب، دراعاتها مليانة كدمات أشكال وألوان، ورفضت تتكلم أو ترفع عينها من الأرض. أمها كانت واقفة بره بتقول للموظفين إن البنت وقعت من على السلم.
أول ما سمعت الجملة دي، جسمي قشعر. بصيت لملك اللي كانت واقفة جنبي، الشرر كان طالع من عينينا، بس المرادي مش رعب.. المرادي كانت القوة.
قعدت قدام البنت، مسكت إيدها بتلقائية، ووطيت بصوتي وقلت لها ما تخافيش.. السلم بتاعكم ده إحنا عارفينه كويس، وعارفين إزاي نكسره فوق دماغ اللي زقك من عليه.
البنت رفعت عينها وبصتلي بصدمة، ودموعها نزلت. ملك قربت منها وادتها منديل، وجابت جهاز تسجيل صغير حطته قدامها على الترابيزة وقالت لها بابتسامة دافية اتكلمي يا حبيبتي، احكي كل حاجة.. الصوت ده هيبصم على نهاية كابوسك من النهاردة.
في اللحظة دي، حسيت إن الدايرة اتقفلت. إن كل نقطة دم نزلت منا، وكل صرخة حبسناها في سرنا، وكل ليلة نمناها خايفين تحت لوح الخشب.. كان ليها معنى. ربنا ما ضيعش وجعنا هدر، بل خلاه النور اللي بننور بيه العتمة في حياة غيرنا.
سامح وأمي افتكروا إنهم كسرونا وقفلوا علينا الأبواب، وما كانوش يعرفوا إنهم باللي عملوه، خلقوا بطلتين مش بيخافوا من أي ظالم في الدنيا.
البنت خادت نفس عميق، وكأنها أول مرة تتنفس من سنين، وبدأت تحكي بصوت بيترعش عن جوز أمها اللي بيضربها وبيسقها دوا بيخليها تدوخ، وأمها اللي بتتستر عليه عشان الفلوس.
كل كلمة كانت بتقولها كانت بتفكرني بنفسي أنا وملك من كام سنة.. نفس الخوف، نفس العجز، ونفس القهر. بس الفرق إن البنت دي واقف قدامها حصن مش هيسمح إن التاريخ يعيد نفسه.
أنا قمت فوراً فتحت الخزنة وطلعت أوراق الشكوى، ومسكت التليفون وكلمت رئيس المباحث اللي بقيت أعرفه كويس بحكم شغلي، وقلت له بثبات يا فندم، معايا حالة تعدي وتعذيب طفل ومحاولة تخدير فورية، ومحتاجين حراسة فورية للبنت ورجالة ينزلوا يقبضوا على الجاني قبل ما يهرب.
في نفس الوقت، ملك كانت بتعمل للبنت إشاعات وتقارير طبية أولية في العيادة الملحقة بالمكتب، وبتكتب كل كدمة بالمليمتر عشان التقرير الطبي يكون مقفول بالضبة والمفتاح ومفيش محامي يقدر يلعب فيه.
ساعة واحدة بس، وكانت عربية الشرطة قدام المكتب. الظابط نزل وأخد أقوال البنت، وفي نفس اليوم بالليل، كان جوز أمها متكلبش ومترمي في التخشيبة، وأمها بتتفتش بتهمة التستر والشراكة في الجريمة.
لما البنت جاتلي تاني يوم مع خالها اللي أخيرًا عرف الحقيقة ولحقها، قربت مني وحضنتني بكل قوتها وهي بتعيط وتقول أنا كنت فاكرة إن مفيش حد هيصدقني.. أنتوا أنقذتوني من الموت.
بصيت لملك ابتسمت لها وقلت للبنت اللي أنقذك هو شجاعتك إنك طلبتي المساعدة.. افتكري دايماً إن الخوف بيقوي الظالم، بس الحقيقة صوتها أعلى من أي محبس.
روحت بيتي بالليل، قعدت على الكنبة وبصيت للبرنيطة بتاعت التخرج ولصورة بابا اللي متعلقة في الصالة. حسيت بروح بابا حوالينا، وكأنه بيطبطب على كتفنا ويقولنا أنا فخور بيكم.
الكابوس اللي بدأ بدم وكدمات وسرير طوارئ، انتهى بأكبر رسالة أمل.. إن الظلم مهما طال ليله وتفنن في قفل الأبواب، دايماً فيه ثقب نور بيطلع منه الحق، وإحنا بقينا النور ده.
مرت شهور، ومكتب حسن بقى اسم بيترعب منه أي ظالم وبيجري عليه أي مظلوم في البلد. القضايا كانت بتجيلنا من كل مكان، وكل قضية بنتكفل بيها كانت بالنسبة لي ولأختي ملك معركة شخصية بنخوضها بكل جوارحنا.
في يوم من أيام الشتا، والقافلة الطبية والقانونية اللي بننظمها مجاناً كانت شغالين فيها، جالي إشعار على موبايلي. رسالة غريبة من رقم غير معروف، مكتوب فيها نصاً سامح مات في السجن النهارة الصبح بعد صراع مع المرض… وأمك حتخرج العصر بوفاق شرطي عشان حالة صحية حرجة… هي في المستشفى الحكومي اللي دخلتوها زمان.
الرسالة نزلت عليا زي المية الساقعة. بصيت لملك، ووريتها الموبايل من غير ما أتكلم. ملك سكتت لحظة، ونظرة عينيها كانت مزيج غريب بين وجع قديم، وشعور بالراحة، وشفقة على نهاية نهاية أي شخص اختار الشر.
قالتلي بصوت هادي تروحي يا مريم؟
قلت لها هنروح سوا.. بس المرة دي مش إحنا اللي خايفين على أسرّة الطوارئ.. المرة دي إحنا اللي واقفين على رجلينا.
روشنا المستشفى نفس المستشفى الحكومي… نفس ريحة المطهرات، نفس الطرقة البيضا اللي اتجرّينا فيها وإحنا بين الحياة والموت. بس فرق الزمن والقوة كان شاسع.
دخلنا الأوضة، كانت أمي نايمة على السرير، أجهزة القياس حواليها، شكلها اتغير تماماً؛ خسست، ووشها دبلان، والزمن حفر فيه تجاعيد الضعف والندم. أول ما فتحت عينيها





