قصص قصيرة

جوز امي بيعذبني انجي الخطيب

وشافتنا واقفين بثبات وروسنا مرفوعة، دموعها نزلت بانهيار، وحاولت تمد إيدها المرتعشة ناحيتنا وهي بتهزر بصوت مكسور مريم… ملك… سامحوني… أنا أكلني الذنب كل ليلة في السجن… سامحوني قبل ما أقابل ربنا.
ملك بصلت لها بهدوء وقالت المسامحة دي بينك وبين ربنا يا أمي.. إحنا جينا بس عشان نقفل الصفحة دي للأبد.. عشان نعرفك إن الخير اللي زرعه بابا فينا غلب الشر اللي سبتي سامح يعيشنا فيه.
أمي غمضت عينيها وبكت بأعلى صوتها، وأنا وملك لفاينا ضهرنا وخرجنا من الأوضة بخطوات واثقة.
وأنا خارجة من باب المستشفى، بصيت للسما، والمطر بيضرّب في وشنا نقي وبارد، حسيت إن آخر قيود كانت ربطانا بالماضي اتفكت تماماً. رحلة الوجع انتهت، وتاريخ القهر اتكتبت نهايته الحقيقية… وبدأت حياتنا اللي اخترناها بنفسنا، بكل حرية وقوة وأمل.
خرجنا للممر، وصوت بكاها بيتلاشى ببطء ورا الباب المقفول، ومعه بتتلاشى آخر ذرة طاقة سلبية كانت مسكونة جوانا من سنين.
ملك مسكت إيدي وقالتلي بثبات خلاص يا مريم.. كده الحساب اتقفل في الدنيا، والعدل الألهي أخد مجراه بالمليمتر.
مشينا في شوارع القاهرة، الشوارع اللي زمان كانت بتخوفنا وكنت بحس إن كل باب مقفول فيها مخبي وراه مصيبة، النهاردة بقيت بشوفها مختلفة.. بشوف فيها الأمل، وبشوف فيها ناس كتير محتاجة اللي يقويها وياخد بإيدها.
بعد سنتين، توسع مكتب حسن وبقى مؤسسة كاملة فيها أكتر من خمسين محامي وطبيب نفسي، كلهم بيشتغلوا لخدمة المستضعفين. وعملنا فرع كامل باسم دار ملك ومريم لإيواء البنات اللي بيتعرضوا للعنف الأسري، بنعلمهم، وبندرّبهم، وبنخليهم يقفوا على رجليهم ويصنعوا مستقبلهم بنفسهم، عشان مفيش بنت تضطر تسكت على الإهانة عشان معندهاش مكان تروحه.
في ليلة دافية، كنا عاملين احتفالية صغيرة بمرور خمس سنين على تأسيس المؤسسة. المكان كان مليان بالبنات اللي أملهم اتجدد، وبالأسر اللي ربنا كتبلها نجاة على إيدينا.
وقفت أنا وملك في البلكونة المتطلة على النيل، الهواء كان نقي، والقمر منور المياه.
ملك بصتلي ورفعت كأس المية بتاعها وقالت بابتسامة صافية تفتكري بابا شايفنا دلوقتي يا مريم؟
ابتسمت من كل قلبي ودمعة فرحة محبوسة في عيني، وقولتلها شايفنا وفخور بينا جداً يا ملك.. بابا ما سابلناش بس فلوس وتسجيل، بابا سابلنا الإيمان بأن الحق عمره ما بيموت، وإن الوجع لو ما كسرناش.. بيبنينا.
بصينا للنيل سوا، وأنا حاسة براحة نفسية وعميق ما حسيتش بيه من يوم ما اتولدت. الكابوس انتهى رسمياً، وحكايتنا اللي بدأت بالدموع والكدمات على سرير طوارئ، اتختمت بأعظم نجاح ونور.. وبقت قصة أمل ملهمة بتعلم أي حد مظلوم إن الليل مهما طال واستبد.. الفجر حتمي، والشمس لازم تطلع من جديد.
تمت
حكايات انجى الخطيب

الصفحة السابقة 1 2 3 4

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى