قصص قصيرة

جارتي المطلقة

رد:

— لسه مانقدرش نجزم. لكن شهادته فتحت باب التحقيق في حاجات ما اتراجعتش زمان.

سكت لحظة.

وبعدين قال:

— والأغرب إنه قال إن أخويا كان ناوي يسيب الشركة خالص ويبدأ مشروع جديد.

ابتسمت بحزن.

— يمكن كان عايز يبعد عن المشاكل.

هز راسه.

— يمكن.

وبعدها طلع ظرف صغير من شنطته.

قال:

— المحامي سلمني ده النهارده.

سألته:

— إيه ده؟

رد:

— جواب تاني من أخويا… كان سايبه عند المحامي من زمان.

فتح الظرف.

كان جواه ورقة واحدة.

قرأها بصوت واطي:

«لو ربنا كتبلي عمر، نفسي أشوفك ناجح وسعيد، ومراتك وعيالك حواليك.

وإن ماكانش ليا نصيب أشوف ده، افتكر دايمًا إن الفلوس ممكن تتعوض، والشغل ممكن يبدأ من جديد…

لكن البيت اللي فيه حب واحترام، لو اتهد صعب يتبني تاني.

حافظ على بيتك يا أخويا.

ده أغلى من أي شركة وأي فلوس.»

جوزي سكت.

وبصلي بعينين مليانين دموع.

قال:

— كأنه كان عارف إننا هنحتاج الكلام ده في يوم.

ابتسمت وحطيت إيدي على إيده.

— أخوك كان راجل حكيم.

بعد أسابيع، جارتي سابت البيت فعلًا.

شوفت عربية نقل واقفة قدام بيتها، والعمال بيشيلوا العفش.

ما خرجتش أودعها.

لكن وأنا واقفة في البلكونة، لقيتها بتبص ناحيتي.

رفعت إيدها كأنها بتسلم.

رديت عليها بإيماءة بسيطة.

مش علشان نسيت اللي عملته.

لكن علشان كنت عايزة أقفل الصفحة دي من حياتي.

وفي نفس اليوم، جوزي رجع من الشغل ومعاه بوكيه ورد.

دخل المطبخ وأنا بحضر العشا.

قال:

— عندي مفاجأة ليكي.

بصيتله وضحكت:

— خير يا سيدي؟

مدلي الورد.

— بمناسبة إننا عدينا من فترة صعبة وإحنا ماسكين في بعض.

ابتسمت.

— هو إحنا كنا هنسيب بعض أصلًا؟

قرب مني وقال:

— عارفة؟ أنا زعلان إني ماحكيتلكيش عن موضوع أخويا من زمان.

قلت:

— وأنا زعلانة إنك كنت فاكر إنك لازم تشيل كل حاجة لوحدك.

مسك إيدي.

— من النهارده مفيش أسرار بينا.

ضحكت:

— حتى لو كسرت حاجة في المطبخ؟

ضحك لأول مرة من قلبه.

— حتى لو كسرت المطبخ كله!

وفي اللحظة دي، بنتنا دخلت علينا.

بصت للورد وقالت:

— إيه الرومانسية دي؟ هو النهارده عيد جوازكم وإحنا مش عارفين؟

جوزي ضحك وقال:

— لأ يا ستي، بس اكتشفت إني محظوظ بأمك.

بنتي ابتسمت.

— ما أنا عارفة من زمان!

حضنتهم هما الاتنين.

وحسيت إن كل الخوف اللي عشته بدأ يختفي.

بعد فترة، وصلنا خبر إن طليق جارتي اتوجهت له اتهامات جديدة مرتبطة بمستندات مالية قديمة، وإن التحقيقات لسه مستمرة في ملابسات وفاة أخو جوزي.

ماكانش فيه حكم نهائي في الموضوع، لكن على الأقل الحقيقة بدأت تظهر، والأوراق اللي فضلت مستخبية سنين وصلت للي يقدر يفحصها.

أما جارتي، فسمعت إنها بدأت حياة جديدة بعيد عننا.

ماعرفش إذا كانت اتغيرت فعلًا ولا لأ.

لكن أتمنى تكون اتعلمت إن خراب البيوت مش لعبة، وإن مش كل راجل متجوز ممكن يتخلى عن مراته لمجرد إن واحدة تانية قررت تلفت نظره.

وفي ليلة هادية، كنت قاعدة مع جوزي في الجنينة.

نفس الجنينة اللي جارتي كانت بتقف عند سورها وتتدلع عليه.

بصيتله وقلت:

— فاكر يوم ما قلتلك تروح حفلتها؟

ضحك.

— طبعًا! كنت فاكر إنك اتجننتي!

قلت:

— وأنا كنت خايفة جدًا.

بصلي باستغراب.

— خايفة من إيه؟ مني؟

هزيت راسي.

— لأ… خايفة إن كل السنين اللي عشناها تكون أضعف من واحدة قررت تدخل بينا.

مسك إيدي وقال:

— كان ممكن نختلف، وكان ممكن نتخانق، لكن ده عمره ما كان هيديها الحق تتدخل في حياتنا.

ابتسمت.

— عارف أنا اتعلمت إيه؟

قال:

— إيه؟

قلت:

— إن الثقة مش معناها إننا نغمض عينينا عن اللي بيحصل حوالينا… وإن حماية البيت مش مسؤولية الست لوحدها ولا الراجل لوحده.

هز راسه.

— مسؤوليتنا إحنا الاتنين.

سندت راسي على كتفه.

ولأول مرة من شهور، حسيت براحة حقيقية.

لكن أكتر حاجة عمري ما هنساها، كانت جملة جارتي يوم ما دخلت بيتي لأول مرة وقالتلي:

«أنا هاخد جوزك منك، وجهزي نفسك للطلاق!»

وقتها افتكرت إنها واثقة من نفسها.

لكن بعد كل اللي حصل، فهمت إن الثقة الحقيقية مش في الجمال، ولا في اللبس، ولا في القدرة على لفت نظر الرجالة.

الثقة الحقيقية إن الإنسان يعرف قيمته من غير ما يحاول يقلل من قيمة غيره.

وإن الست اللي تحترم نفسها، عمرها ما تشوف سعادتها في خراب بيت ست تانية.

أما أنا…

فما خسرتش جوزي.

ولا خسرت بيتي.

بالعكس، الأزمة دي خلتنا أقرب لبعض، وخلتنا نفهم إن الصراحة والثقة أهم من أي حاجة.

وجارتي اللي دخلت حياتي وهي متخيلة إنها هتاخد مكاني… خرجت منها وهي عارفة إن المكان اللي اتبنى على سبعتاشر سنة حب وعشرة واحترام، مش سهل حد غريب ياخده.

والهدية اللي قدمتهالها في الحفلة ماكانتش مجرد علبة فيها ورق.

كانت أول خطوة في كشف الحقيقة.

حقيقة هي نفسها حاولت تهرب منها سنين.

تمت بحمد الله.

بقلم الكاتبة أسما السيد — حصري

ممنوع النسخ أو إعادة النشر دون إذن الكاتبة.

سؤال للقراء: لو كنتوا مكاني، وواحدة دخلت بيتكم وصارحتكم إنها ناوية تاخد جوزكم، كنتوا هتتصرفوا إزاي؟ وهل ممكن تسامحوها بعد كل اللي عملته دة؟

ماتنسوش اللايك والتعليق والمتابعة علشان توصلكم كل حكاية جديدة.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى