
جارتي المطلقة
وكنت بصدقه.
من أول يوم اتجوزنا فيه، اتفقنا إن بيتنا يكون مبني على الاحترام، وإن مهما اختلفنا، مانسمحش لحد يدخل بينا.
علشان كده، لما جارتنا الجديدة نقلت البيت اللي جنبنا، ماكنتش شايفة أي مشكلة إني أتعرف عليها.
كانت ست في أواخر التلاتينات، جميلة جدًا، وبتعرف تهتم بنفسها.
شعرها أشقر طويل، ولبسها دايمًا شيك، وبتتكلم بثقة كأنها متعودة إن كل العيون تبقى عليها.
عرفت منها إنها مطلقة من حوالي ست شهور، وإنها سابت بيتها القديم علشان تبدأ حياة جديدة بعيد عن الذكريات.
صعبت عليا.
خصوصًا لما قالتلي إن طليقها ظلمها، وإنها خرجت من الجواز مكسورة.
في أول أسبوع، عملتلها صينية حلو وروحت أرحب بيها.
فتحتلي الباب وابتسمت:
— يا سلام! هو لسه فيه جيران بالذوق ده؟
ضحكت وقلت:
— إحنا هنا كلنا عيلة واحدة، وأي حاجة تحتاجيها اعتبريني أختك.
دخلتني، وقعدنا نتكلم أكتر من ساعة.
كانت بتحكي كتير عن حياتها، وعن طليقها، وعن قد إيه هي مظلومة.
وفي وسط الكلام سألتني:
— وإنتِ متجوزة من إمتى؟
— من سبعتاشر سنة.
رفعت حواجبها باستغراب:
— سبعتاشر سنة؟! ولسه عايشين مع بعض؟
ضحكت:
— أمال هنكون فين يعني؟
ابتسمت ابتسامة غريبة وقالت:
— أصل أنا ماقدرش أتخيل إني أعيش مع نفس الراجل كل السنين دي!
ماكنتش أعرف إن الجملة دي كانت أول إنذار.
بعد كام يوم، جت تزورني وقت الغدا.
كان جوزي راجع من الشغل بدري، وقاعد في الجنينة بيصلح كرسي خشب قديم.
أول ما شافته، وقفت مكانها.
بصتله من فوق لتحت، وبعدها سألتني بصوت واطي:
— هو ده جوزك؟
قلت بفخر:
— أيوه.
ابتسمت:
— ما شاء الله… شكله أصغر من سنه بكتير!
ناديته وعرفتها عليه.
سلم عليها باحترام، وبعدها رجع يكمل شغله.
لكنها فضلت واقفة تتفرج عليه.
ولما دخلنا البيت، قالتلي:
— إنتِ محظوظة أوي.
قلت:
— الحمد لله.
ردت وهي بتضحك:
— خلي بالك منه بقى… الرجالة الحلوة دي عليها طلب!
افتكرتها بتهزر.
لكن من اليوم ده، بدأت الزيارات الغريبة.
مرة تخبط على الباب الساعة سبعة بالليل وتقول إن دولاب المطبخ عندها اتكسر.
ومرة تيجي علشان كرتونة تقيلة مش عارفة تشيلها.
ومرة تقول إن لمبة أوضتها اتحرقت.
الغريب إنها كانت بتيجي دايمًا في الوقت اللي عربية جوزي بتكون واقفة فيه قدام البيت.
في الأول كنت بقول لنفسي إنها وحيدة ومحتاجة مساعدة.
لكن مع الوقت، بدأت أحس إن الموضوع مش طبيعي.
خصوصًا لما بقيت ألاحظ إنها بتغير طريقة كلامها أول ما جوزي يظهر.
صوتها يبقى أنعم.
وضحكتها تبقى أعلى.
وتفضل تصلح شعرها وتعدل هدومها وهي بتتكلم معاه.
وفي يوم، كنت واقفة في المطبخ وببص من الشباك.
لقيتها واقفة عند السور اللي بين بيتنا وبيتها، وجوزي في الجنينة بيسقي الورد.
سمعتها بتنادي:
— يا أستاذ! ممكن دقيقة؟
قرب منها وسألها:
— خير، فيه حاجة؟
قالت وهي بتضحك:
— هو إنت بتعرف تعمل كل حاجة كده؟ تصليح وزراعة وشغل؟ مراتك محظوظة بيك أوي!
رد باختصار:
— ربنا يخليكي، محتاجة حاجة؟
مالت بجسمها على السور وقالت:
— بصراحة، كنت عايزة رأيك في حاجة جوه البيت.
سألها:
— حاجة إيه؟
— تعالى شوفها بنفسك.
هز راسه وقال:
— معلش، عندي شغل. لو محتاجة صنايعي ممكن أديكي رقم حد كويس.
وسابها ودخل.
شفت وشها اتغير.
لأول مرة، ابتسامتها اختفت.
لكن لما لمحتني واقفة عند الشباك، رفعت إيدها وسلمت عليا وكأن مفيش حاجة حصلت.
ساعتها بدأت أشك.
بعد يومين، جت تشرب معايا القهوة.
كانت لابسة لبس شيك جدًا، وحاطة برفان ريحته قوية.
قعدت قدامي وفضلت تسأل عن جوزي.
— هو بيرجع من الشغل الساعة كام؟
قلت:
— على حسب.
— وبيسافر كتير؟
— ساعات.
— وبيحب إيه في الستات؟
رفعت عيني وبصيتلها.
— تقصدي إيه؟
ضحكت:
— يعني بيحب الست الهادية ولا الجريئة؟
قلت ببرود:
— بيحب مراته.
سكتت لحظة، وبعدها ضحكت ضحكة قصيرة.
— يا سلام على الثقة!
ما رديتش.
لكنها قربت مني وقالت:
— طب ما تيجي أقولك على حاجة؟
— قولي.
حطت الفنجان قدامها، وقالت الجملة اللي عمري ما هنساها:
— أنا هاخد جوزك منك.
افتكرتها بتهزر.
لكنها كملت:
— ومن دلوقتي جهزي نفسك للطلاق.
بصيتلها وأنا مش مصدقة.
— إنتِ بتتكلمي عن جوزي أنا؟!
قالت:
— أيوه، هو فيه غيره؟





