
السر اللي أمي خبّته عني خمسين سنة…
عارفة إن اللي عملته غلط، وعارفة إنك كان من حقك تعرفي الحقيقة. لكن أنا ما كنتش بعرف أعيش يوم من غير ما أخاف من اللحظة اللي هتعرفي فيها.
بصيت لأختها، اللي كانت قاعدة ساكتة، ودموعها بتنزل على خدودها.
سألتها
وإنتِ؟ ليه وافقتي إن أمي تربيني من غير ما أعرفك؟
ردت بحزن
لأني كنت ضعيفة. كنت فاكرة إن أختك هتقدر تحميكي، وإنك هتعيشي حياة أحسن من الحياة اللي كنت هقدر أوفرها لك. لكن الحقيقة إني كنت كل يوم بمۏت من الشوق ليكي. كنت بشوفك من بعيد أحيانًا، وأعرف أخبارك من الناس، لكن ما كنتش بقدر أقرب.
وبعدين مدت إيدها ناحية الصندوق، وطلعت منه مجموعة خطابات.
أنا كتبت لك خطابات كتير. كنت بحكيلك فيها عن نفسي، وعن الأيام اللي فاتت، وعن كل حاجة كنت أتمنى أعرفها عنك. لكن ما بعتهمش. كنت بخاف لو وصلوا لك، أكون بهد البيت اللي أختك بنته ليكي.
بصيت للخطابات، وحسيت إن قدامي عمر كامل من الكلام اللي ما اتقالش.
عمر كامل من الحب اللي اتخبى، والخۏف اللي سيطر على كل قرار.
لكن كان فيه سؤال أخير لازم أسأله.
طب إنتوا ليه قررتوا تحكولي دلوقتي؟
أخت أمي بصتلي، وقالت
لأني تعبت. ومش عايزة أموت وإنتِ فاكرة إنك ما كانش ليكي أم غير واحدة. أنا مش جاية آخد مكان أختي، ولا جاية أطلب منك تناديني ماما. أنا بس عايزة أعيش اللي باقي من عمري من غير سر.
وبعدين بصت لأمي وقالت
وأختك كانت محتاجة تعرف إنك مش هتكرهيها لما تعرفي الحقيقة. كنت محتاجة أقول لها إن اللي حصل ما كانش بسبب إنها سړقت بنتي، ولا بسبب إني اتخليت عنها. إحنا الاتنين كنا بنحاول نحميكي، لكن كل واحدة فينا كانت بتتصرف لوحدها، وكل واحدة كانت فاكرة إنها بتعمل الصح.
خرجت من البيت وأنا مش قادرة أرتب أفكاري.
أمي كانت ماشية جنبي، لكنها ما حاولتش تمسك إيدي، ولا طلبت مني أسامحها.
كانت سايبالي المساحة اللي أحتاجها، ويمكن لأول مرة في حياتها، كانت مستعدة تقبل إني أكون زعلانة منها.
ركبنا العربية، وفضلنا ساكتين طول الطريق.
لما وصلنا البيت، طلعت أوضتي وقفلت الباب.
قعدت على السرير، وفضلت أبص للسلسلة اللي في رقبتي.
كنت بحب أمي حب ما كنتش متخيلة إن فيه حاجة في الدنيا ممكن تغيره. هي اللي سهرت جنبي لما كنت مريضة، وهي اللي علمتني أقرأ، وهي اللي فضلت معايافي كل لحظة صعبة.
لكن في نفس الوقت، كنت حاسة إن جزء كبير من حياتي اتبنى على حقيقة ناقصة.
كنت محتاجة أفهم مين أنا، ومنين جيت، وليه الناس اللي المفروض يحبوني اختاروا يخبوا عني الحقيقة.
بعد ساعة، سمعت خبط خفيف على الباب.
أمي كانت واقفة بره.
قالت بصوت واطي
أنا مش هضغط عليكي يا بنتي. بس لو احتجتي تسأليني عن أي حاجة، أنا هجاوبك. المرة دي مش هخبي عنك حاجة.
ما رديتش.
فضلت واقفة شوية، وبعدين سمعتها بتبعد.
الليلة دي ما نمتش.
قعدت أراجع ذكرياتي كلها، وأحاول أفرق بين الحاجات اللي كانت حقيقية، والحاجات اللي فهمتها غلط بسبب السر ده.
لكن مع أول ضوء للصبح، قررت إني مش هسيب الصدمة تتحكم فيا.
كنت عايزة أسمع الحكاية كاملة، مش من أمي بس، لكن من الست اللي ولدَتني كمان.
تاني يوم، رجعت للبيت القديم لوحدي.
لما فتحت لي الباب، اتفاجئت بوجودي، لكنها ابتسمت ابتسامة هادية وقالت
كنت عارفة إنك هترجعي.
قعدنا في الصالة، وطلبت منها تحكي لي كل حاجة من البداية، من غير ما تخاف إنها تجرحني أو تزعلني.
المرة دي، ما كانتش فيه صور ولا خطابات مخبية. كان فيه كلام واضح، حتى لو كان موجع.
عرفت إن أمي الحقيقية كانت في سن صغيرة جدًا لما خلفتني، وإنها كانت عايشة وسط ضغوط أكبر من قدرتها. وعرفت إن أمي اللي ربتني ما كانتش بتخطط إنها تخدعني، لكنها مع مرور الوقت خاڤت تواجه الحقيقة لدرجة إنها فضلت تأجلها سنة ورا سنة.
وعرفت كمان إن الاتنين دفعوا تمن سكوتهم.
واحدة خسړت بنتها وهي عايشة، والتانية عاشت طول عمرها خاېفة تخسر بنتها اللي ربتها.
سألت الست العجوزة
إنتِ زعلانة من أمي؟
هزت راسها.
زعلانة من السنين اللي ضاعت، ومن كل مرة كنت أتمنى أشوفك فيها وما قدرتش. لكن مش زعلانة منها زي ما إنتِ متخيلة. أختك ادتك من عمرها وحبها، وأنا عارفة إنك لو كنتِ كبرتي معايا، يمكن حياتك كانت هتبقى مختلفة تمامًا.
سألتها
كنتِ بتراقبيني؟
ردت
مش بالمعنى ده. كنت بس بسأل عليكي من بعيد. كنت أعرف إنك بتدرسي، وإنك اتجوزتي، وإنك خلفتي أطفال. كنت بفرح لكل خبر حلو عنك، حتى لو ما كنتش جزء منه.
وبعدين طلعت من درجها صورة قديمة ليا وأنا طفلة، كنت قاعدة على الأرض وبضحك، وأمي كانت جنبي.
قالت
الصورة دي أختك بعتها لي من سنين طويلة. قالتلي إنها مش قادرة تعيش وهي مخبية عنك الحقيقة، لكنها مش قادرة تواجهك بيها كمان. كانت بتقول لي إنها كل ما تبص لك، بتحس إنها أخدت منك حقك في معرفة أمك الحقيقية.
مسكت الصورة، وبصيت لوش أمي وهي بتضحك فيها.
في اللحظة دي، فهمت إن السر ما كانش مجرد كڈبة واحدة.
كان سلسلة من الخۏف، وكل خوف جرّ وراه خوف تاني، لحد ما بقى الرجوع للحقيقة أصعب من الاستمرار في الكتمان.
قبل ما أمشي، الست العجوزة مسكت إيدي وقالت
أنا مش طالبة منك حاجة. لا عايزاكي تناديني ماما، ولا عايزاكي تختاري بيني وبين أختك. أنا بس عايزاكي تعرفي إنك كنتِ محبوبة من أول يوم في حياتك، حتى لما الظروف خلتنا نبقى بعيد عن بعض.
الكلام ده كان أول حاجة تهدي قلبي من ساعة ما عرفت الحقيقة.
رجعت البيت، ولقيت أمي قاعدة في الصالة، قدامها فنجان شاي بارد، وعينيها حمرا من العياط.
أول ما شافتني، قامت بسرعة.
رحتي لها؟
هزيت راسي.
أيوه.
سألتني پخوف
قالت لك إيه؟
قعدت جنبها، وبصيت لها طويلًا.
قالت لي إنكم الاتنين حبيتوني، بس كل واحدة فيكم كانت خاېفة من التانية، ومن الحقيقة.
أمي غطت وشها بإيديها.
أنا آسفة يا بنتي.
المرة دي، ما قدرتش أقول لها إن كل حاجة تمام، ولا قدرت أقول لها إني سامحتها وخلاص.
قلت لها
أنا زعلانة يا ماما. زعلانة إنك ما وثقتيش فيا كفاية عشان تقولي لي الحقيقة. وزعلانة إني عرفت بالصدفة، مش منك. لكن أنا مش هقدر أنكر إنك إنتِ اللي ربيتيني، وإنتِ اللي كنتِ جنبي طول عمري.
بصتلي ودموعها بتنزل.
كملت
أنا محتاجة وقت عشان أستوعب كل ده. ومحتاجة إننا نتكلم عن الحاجات اللي خفتي تحكيها. بس مش عايزة نفضل ندفن الحقيقة تاني.
هزت راسها، وقالت
أوعدك. مش هخبي عنك حاجة تاني.
مديت إيدي ومسكت إيديها.
ما كانش ده معناه إن كل الۏجع اختفى، ولا إن الثقة رجعت في لحظة.
لكنه كان بداية.
بداية لحياة ما يبقاش فيها السر أكبر من الحب.
الأيام اللي بعدها ما كانتش سهلة.
بدأت أزور أخت أمي بانتظام، وأقعد معاها ساعات طويلة. في البداية، كنت حاسة بغربة غريبة وأنا قاعدة قدامها، لكن مع الوقت، بدأت أشوف فيها حاجات تشبهني.
طريقة ضحكتها، حركات إيديها وهي بتتكلم، وحتى إصرارها إنها تجهز الأكل بنفسها رغم تعبها.
كنت بحاول أعرفها، وهي كانت بتحاول تعرفني.
كانت تسألني عن طفولتي، وعن دراستي، وعن أول مرة وقعت في الحب، وعن كل التفاصيل





