
اربع بنات وولد
محمود وصل بعد شوية، وأول ما شافني قرب مني وسأل “أخباره إيه؟” قلت له وأنا بعيط “لسه الدكتور بيفحصه.” مسك إيدي وقال “إن شاء الله خير.” ولأول مرة من وقت طويل، ما حسيتش إن كلامه مجرد محاولة عشان يرضيني. حسيت إنه فعلًا خايف على ابنه.
بعد شوية، خرج الدكتور وقال إن يوسف محتاج متابعة وعلاج، وإنهم هيحتفظوا بيه فترة قصيرة للاطمئنان على حالته. دخل محمود عنده، ووقف جنب السرير الصغير. يوسف كان نايم، ووشه مرهق. محمود مد إيده ولمس راسه، وبعدها بص لي وقال “أنا ما كنتش متخيل إني ممكن أخاف على حد بالشكل ده.
” قلت له “وده طبيعي، ده ابنك.” رد بصوت مكسور “أنا كنت غبي يا منى. كنت فاكر إن وجود ولد هو اللي هيخليني أحس إني أب ناجح، لكن لما شفته تعبان، ما فكرتش في أي حاجة غير إنه يقوم بالسلامة.
” سكت لحظة، وبعدين كمل “وفكرت في بناتي كمان. لو واحدة منهم كانت مكانه، كنت هبقى خايف عليها بنفس الطريقة. أنا اللي كنت بفرق بينهم من غير ما أحس.” ما رديتش عليه، لكني حسيت إن كلامه المرة دي مختلف. بعد ساعات، حالة يوسف استقرت، والدكتور طمّنا إنه بيتحسن.
خرجنا من المستشفى بعد يومين، ومحمود كان شايل يوسف بنفسه طول الطريق. ولما رجعنا البيت، سلمى جريت علينا وسألت “يوسف بقى كويس يا بابا؟” ابتسم محمود وقال “الحمد لله يا حبيبتي، أخوكي بقى أحسن.” وبعدين حضنها وأضاف “تعرفي إيه؟
أنا كمان عندي أربع بنات شجعان، وقلبي مش هيكمل من غيركم كلكم.” سلمى ابتسمت وحضنته. وأنا كنت واقفة بعيد، بتفرج على المشهد، وبفكر إن الإنسان ممكن يبدأ يتغير فعلًا، لكن لازم يثبت ده كل يوم، مش في لحظة تأثر وخلاص.
### الفصل السابع: المواجهة الأخيرة مع حماتي بعد فترة، قررت حماتي تزورنا. كانت أول زيارة ليها من وقت موضوع التحليل. دخلت البيت، وسلمت على البنات، وبعدها راحت ناحية يوسف وقالت “تعالى يا حبيبي لجدو… أقصد لتيتا.” شالت يوسف، وقعدت تداعبه، وبعد شوية قالت لمحمود “أنا لسه مش قادرة أنسى اللي حصل.
لكن محدش فيكم فكر يطمن عليا أنا، ولا على إحساسي وأنا بتهم في شرفي بعد الولادة.” سكتت، وبعدين قالت “أنا آسفة يا منى.” ما كانش اعتذار طويل، لكنه كان أول مرة تعترف فيها إنها غلطت.
قلت لها “أنا بقبل اعتذارك، لكن أتمنى بعد كده ما نحكمش على حد من غير دليل.” هزت راسها. وبعدين بصت للبنات وقالت “تعالوا يا حبايبي، مين فيكم هيساعدني أعمل لكم حاجة حلوة؟” البنات جريوا عليها، والجو بدأ يهدى.
لكن محمود كان عارف إن اعتذار أمه مش نهاية الموضوع، وإنه هو كمان لازم يكمل التغيير اللي بدأه.### الفصل الثامن: الاختبار الحقيقي عدت شهور، ويوسف كبر شوية، وبقى يضحك ويلعب مع أخواته. محمود بدأ يهتم بالبيت أكتر، وبقى يرجع من الشغل بدري عشان يقضي وقت مع أولاده.
كان بيساعد سلمى في واجباتها، ويلعب مع ليلى، ويسمع لنور وهي بتحكيله عن يومها، ويحمل مريم الصغيرة وهي بتضحك. وأحيانًا كنت أقف عند باب الصالة وأراقبه، وأفتكر الأيام اللي كنت فيها لوحدي شايلة هم خمس أطفال، وهو مشغول بفكرة الولد اللي لازم ييجي.
لكن رغم كل التحسن، كنت لسه محتاجة أشوف إذا كان اتغير من جواه فعلًا. وفي يوم، كنا قاعدين على الغدا، وسلمى قالت إنها نفسها تدخل مدرسة رياضية عشان تلعب سباحة. محمود رد بسرعة “سباحة إيه بس؟
خليكي في دراستك أحسن.” وشها اتغير، وسكتت. أنا بصيت له، لكنه ما أخدش باله في البداية. بعدها مريم قالت إنها نفسها تتعلم الرسم، فقال لها “الرسم مش هيأكلك عيش، ركزي في دراستك.” في اللحظة دي، حطيت المعلقة على الطبق وقلت “محمود، ممكن نتكلم؟
” بص لي وقال “في إيه؟” قلت له “إنت لسه بتكرر نفس الغلطة.” استغرب.”غلطة إيه؟” قلت “إنت بتقرر لبناتك إيه اللي ينفع وإيه اللي ما ينفعش من غير ما تسمعهم. سلمى نفسها تلعب سباحة، ومريم نفسها تتعلم الرسم. بدل ما تشجعهم، إنت بتقفل الباب في وشهم.
” قال “أنا بخاف على مستقبلهم.” رديت “الخوف عليهم مش معناه إننا نمنعهم من أحلامهم. إحنا دورنا نساعدهم يختاروا الصح، مش نخليهم يحسوا إن أحلامهم أقل أهمية.” سكت شوية، وبعدين بص للبنات وقال “طب خلاص يا سلمى، نشوف مدرسة السباحة، ويا مريم ندور لك على مكان تتعلمي فيه الرسم.
” البنات فرحوا، وسلمى قامت حضنته. لكن بعد الغدا، دخلت معاه المطبخ وقلت له “أنا مش عايزاك توافق على كل حاجة عشان تراضيني. أنا عايزاك تفهم إن بناتك ليهم شخصيات وأحلام، وإن دورك كأب إنك تساعدهم يكبروا وهما واثقين في نفسهم.





