
شيخ كبير
لكن لما الموضوع استمر، قررت أروح للدكتور. طلبت من السواق يوصلني لعيادة قريبة، وعملت شوية تحاليل. بعدها بيوم، رجعت للدكتور عشان أعرف النتيجة. كان بيقلب في الورق، وفجأة ابتسم وقال: مبروك يا مدام مريم، إنتِ حامل.
حسيت إن قلبي وقف. بصيتله وقلت بصوت متقطع: حضرتك متأكد؟
ضحك وقال: طبعًا متأكد، التحليل واضح جدًا.
فضلت ساكتة، مش عارفة أفرح ولا أخاف. كنت نفسي أبقى أم من أول يوم فكرت فيه في الجواز، لكن الخبر ده كان مستحيل بالنسبة لكل الناس اللي حواليا. الكل كان بيقول إن الشيخ عبد الرحمن مش ممكن يخلف. حتى أهله كانوا بيتعاملوا مع الموضوع كأنه حقيقة نهائية.
خرجت من العيادة وأنا ماسكة نتيجة التحليل بإيدي، ودموعي نازلة من غير ما أحس. ركبت العربية، وفضلت أبص للورقة طول الطريق. سألت نفسي: إزاي حصل كده؟ هو ممكن يكون فيه خطأ في التحليل؟ ولا كل اللي الناس قالته عن جوزي كان غلط؟
رجعت القصر، وقررت إني مش هقول لحد لحد ما أتكلم مع الشيخ نفسه. لكن قبل ما أوصل لمكتبه، قابلت نوال. بصتلي وقالت: إنتِ كنتِ فين؟
قلت: كنت عند الدكتور.
سألتني بسرعة: مالك؟
حاولت أخبي ارتباكي وقلت: تعب بسيط.
لكنها فضلت باصة لي، وكأنها بتحاول تعرف أنا مخبية إيه.
في الليلة دي، دخلت أوضة الشيخ، ولقيته بيقرأ بعض الأوراق. قلتله: ممكن أتكلم معاك في موضوع مهم؟رفع عينه وقال: اتفضلي.مديت إيدي بالتحليل وقلت: أنا روحت للدكتور النهارده، وعرفت حاجة، أنا حامل.
فضل باصص للورقة من غير كلام. أخدها مني وقرأها أكتر من مرة. وبعدها رفع عينه ناحيتي. لأول مرة أشوف على وشه صدمة بالشكل ده.
قال بهدوء غريب: إنتِ متأكدة؟
قلت: الدكتور أكدلي.
سكت فترة طويلة، وبعدها قال: محدش يعرف بالخبر ده دلوقتي. لازم نفهم الأول كل حاجة.
كنت مستغربة من رد فعله، لكن قلت يمكن هو محتاج وقت يستوعب. ما كنتش أعرف إن اللحظة دي كانت بداية اكتشاف أخطر سر في حياته.
الاتهام اللي كسرني
تاني يوم الصبح، وأنا قاعدة في أوضتي، سمعت خبط شديد على الباب. دخلت واحدة من العاملات وقالت: الشيخ طالب حضرتك في الصالون الكبير، وكل العيلة موجودة.
قلبي بدأ يدق بسرعة. نزلت وأنا متوقعة إن الشيخ قرر يعلن الخبر بنفسه. لكن أول ما دخلت، اتفاجئت بكل أفراد العيلة قاعدين. نوال كانت في أول الصالون، وسامح واقف جنب الشباك، وداليا قاعدة وهي بتبتسم ابتسامة غريبة. أما الشيخ عبد الرحمن، فكان واقف في النص، ووشه متغير تمامًا.
أول ما شافني، قال بصوت عالي: عايز أسألك سؤال، وتجاوبيني بصراحة قدام الكل.
قلت: اتفضل.
رفع ورقة التحليل وقال: الحمل ده من مين؟
اتصدمت من السؤال. قلتله: إيه الكلام ده؟ ده ابنك.
ضرب بإيده على الترابيزة وقال: مستحيل! إنتِ عارفة كويس إن الكلام ده مش ممكن يحصل!
بدأت أعيط وقلت: أنا مراتك، ومفيش في حياتي راجل غيرك. إزاي تتهمني بالشكل ده؟
نوال دخلت في الكلام بسرعة وقالت: إحنا مش بنظلمك يا بنتي، بس الحقيقة واضحة. أخويا طول عمره عنده مشكلة، وإنتِ فجأة بتقولي إنك حامل؟
سامح ضحك وقال: واضح إن فيه حد كان بيدخل البيت من ورانا.
بصيتله بصدمة وقلت: إنت بتقول إيه؟ إنت بتتهمني اتهام خطير!داليا قالت وهي بتبص لنوال: كان لازم نتأكد من أخلاقها قبل الجواز.وقتها حسيت إن كل واحد فيهم جاي مخصوص عشان يهينني.
حاولت أقرب من جوزي وقلت: اسمعني بس، أنا معملتش أي حاجة غلط. ولو عندك شك، نقدر نعمل أي فحوصات تثبت الحقيقة.
لكنه رجع خطوة لورا وقال: مش عايز أسمع منك كلمة واحدة. لحد ما الحقيقة تظهر، إنتِ مش هتتحركي من البيت.
نوال قالت: والأحسن إن الحمل ده ما يكونش سبب في أي مشاكل على أملاك العيلة.
هنا بالذات، بدأت أشك إن الموضوع مش مجرد اتهام بالغدر. ليه نوال بتتكلم عن الأملاك؟ وليه سامح متوتر بالشكل ده؟ وليه كلهم مهتمين بالحمل أكتر من اهتمامهم بمعرفة الحقيقة؟في اللحظة دي قررت إني مش هنهار، ومش هفضل أدافع عن نفسي قدام ناس عايزين يدمروني.
قلت بهدوء: أنا مش هطلب من حد يصدقني. الحقيقة هتظهر، وساعتها كل واحد فيكم هيتمنى لو كان سكت.
ومشيت من الصالون. كنت بعيط، لكن جوايا كان فيه إحساس إن فيه حاجة أكبر مستخبية.
بداية البحث عن الحقيقة
طول الليل ما نمتش. فضلت أفكر في كلام جوزي، وفي إصرار عيلته على إن الحمل مستحيل يكون منه. وفي الصبح، افتكرت إن الشيخ كان حكى لي مرة عن طبيب قديم كان بيتابعه من سنين طويلة. كان اسمه الدكتور فؤاد، وسمعت إن عنده عيادة كبيرة في القاهرة.<!–nextpage–>
قررت أدور عليه. ما كانش معايا غير اسم الطبيب، لكن بعد شوية بحث قدرت أوصل لرقم العيادة. اتصلت وطلبت أقابله بشكل عاجل. في البداية، السكرتيرة قالت إن مواعيده مليانة، لكن لما عرفت إن الموضوع متعلق بملف طبي قديم للشيخ عبد الرحمن، وافقت تحدد لي ميعاد.
في اليوم التالي، خرجت من القصر من غير ما أقول لحد سبب خروجي. وصلت العيادة، ودخلت عند الدكتور فؤاد. كان راجل كبير في السن، وشعره أبيض، ولما عرف أنا مين، اتغيرت ملامحه.
قال: حضرتك مرات الشيخ عبد الرحمن؟
قلت: أيوه، ومحتاجة أسألك عن حاجة مهمة جدًا.
سألني: خير؟
حطيت نتيجة التحليل قدامه وقلت: أنا حامل، لكن جوزي بيقول إن ده مستحيل، لأن كل الناس بتقول إنه عقيم. أنا عايزة أعرف الحقيقة.
فضل ساكت شوية. وبعدها فتح درج مكتبه وطلع ملف قديم. قعد يقلب فيه، وبعد دقائق رفع عينه ليا وقال: مين قالك إن الشيخ عبد الرحمن عقيم؟
حسيت إن قلبي وقع. قلت: كل عيلته. وهو نفسه مقتنع بكده.
الدكتور أخد نفس طويل وقال: أنا كنت بعالج الشيخ من مشكلة صحية أثرت على قدرته على الإنجاب من سنين طويلة، وبعد فترة العلاج نجح، والتحاليل أكدت تحسن حالته بشكل واضح. وفي آخر متابعة، كانت النتائج بتقول إن عنده فرصة حقيقية للإنجاب.
بصيتله بذهول. قلت: يعني ممكن يكون الحمل من جوزي؟رد: من الناحية الطبية، طبعًا ممكن. لكن لازم نراجع الملف كامل ونعمل الفحوصات اللازمة.سألته: طب إزاي هو مش عارف؟
هز راسه وقال: أنا وقتها شرحت له نتائج العلاج، وبعت نسخة من التقرير الطبي للعنوان المسجل عندنا. وكان المفروض يعرف كل التفاصيل.
قلت: مين استلم التقرير؟
راجع الملف، وبعدها قال اسم الشخص اللي استلم الأوراق. كان اسم سامح!
في اللحظة دي حسيت إن الصورة بدأت تتجمع قدامي. سامح كان عارف إن جوزي ممكن يخلف، لكنه أخفى الحقيقة عنه. خرجت من العيادة وأنا مش مصدقة اللي سمعته. لكن كان لازم أتأكد أكتر.
السر اللي كانوا مخبيينه
رجعت القصر، وبدأت أدور على أي أوراق قديمة تخص جوزي. كنت عارفة إن مكتب الشيخ فيه ملفات طبية قديمة، لكنه كان دايمًا مقفول. في المساء، استنيت لحد ما الشيخ خرج لاجتماع، ودخلت المكتب.
بدأت أفتح الأدراج بهدوء، وأدور في الملفات الموجودة. لقيت مجموعة أوراق طبية قديمة، لكن الغريب إن فيه تقارير متعارضة. تقرير بيقول إن الحالة تحسنت بعد العلاج، وتقرير تاني مكتوب فيه إن فرص الإنجاب شبه معدومة. الأسماء والتواريخ كانت متشابهة، لكن النتائج مختلفة.
فضلت أقارن بينهم لحد ما لقيت تقرير أصلي عليه ختم المستشفى وتوقيع الطبيب. كان واضح إن النتائج الحقيقية بتأكد نجاح العلاج. أما التقرير التاني، فكان نسخة مزورة بتقول إن الحالة لم تتحسن.
صورت كل الأوراق بالموبايل، ورجعتها مكانها. لكن وأنا بخرج، سمعت صوت باب المكتب بيتفتح. اتجمدت مكاني. دخلت نوال!
بصتلي وقالت: إنتِ بتعملي إيه هنا؟
حاولت أتماسك وقلت: كنت بدور على ورقة تخص جوزي.
قربت مني وقالت: إنتِ فاكرة نفسك هتقدري تعرفي كل أسرار البيت؟
سألتها: هو فيه أسرار فعلًا؟
اتغير وشها وقالت: اسمعي يا مريم، نصيحة مني، انسي موضوع الحمل ده، ومتدخليش نفسك في حاجات أكبر منك.
وقتها تأكدت إن الست دي عارفة أكتر بكتير مما بتقول. قلت بهدوء: أنا مش بدخل نفسي في حاجة. أنا بس بدافع عن حقي وحق ابني.
ضحكت بسخرية وقالت: ابنك؟ إنتِ لسه مصممة على الحكاية دي؟
خرجت من المكتب، لكن كلامها خلاني أفكر. إيه اللي يخليهم كلهم مرعوبين من وجود طفل في حياة الشيخ؟ وليه سامح بالتحديد كان حريص على إخفاء التقرير؟
بدأت أراجع كل المواقف اللي حصلت من أول يوم دخلت فيه القصر. افتكرت خلافاتهم على الأراضي والشركات، وكلامهم عن إن الشيخ لازم يفضل من غير ورثة. وفجأة فهمت. هم مش خايفين من فضيحة الحمل، هم خايفين من الوريث!
المؤامرة الحقيقية
بعد يومين، قدرت أقابل الدكتور فؤاد مرة تانية. المرة دي طلبت منه نسخة رسمية من التقارير الطبية، وشرحتله إن فيه ناس استخدمت معلومات طبية مزورة لتضليل الشيخ. الدكتور اتضايق جدًا، وقال إنه مستعد يشهد بالحقيقة لو الأمر وصل للقضاء.
بعدها استعنت بمحامٍ اسمه الأستاذ شريف، وشرحتله كل اللي حصل. كان أول سؤال سألهولي: هل عندك دليل إن العيلة كانت عارفة بنتيجة العلاج؟قلتله: عندي تقرير استلام باسم سامح، وعندي التقارير الأصلية والمزورة.
طلب مني أحتفظ بكل حاجة، وألا أواجههم قبل ما نراجع المستندات قانونيًا. وبدأ يراجع أوراق الشركات والميراث. وبعد فترة، اكتشفنا حاجة أخطر.
كان فيه وصية قديمة للشيخ عبد الرحمن، مكتوب فيها إن ثروته هتنتقل لأولاده الشرعيين في حالة وجودهم، وإن أبناء العائلة الآخرين مش هيكون ليهم نفس الحق في الميراث. لكن لو الشيخ رحل من غير أولاد، كان فيه ترتيبات مالية تدي بعض أفراد عيلته نصيبًا كبيرًا من ممتلكاته.
وده معناه إن وجود طفل واحد كان كفيل يغير حسابات ناس كتير.
الأمر ما كانش مجرد طمع عادي. سامح كان مسيطر على جزء كبير من إدارة الشركات، ونوال كانت ليها مصالح مالية مرتبطة باستمرار الوضع زي ما هو. ولو ظهر وريث جديد، نفوذهم ومكاسبهم ممكن تتغير تمامًا.
لكن اللي صعقني أكتر إننا اكتشفنا إن التقرير المزور ما كانش الورقة الوحيدة اللي اتغيرت. كان فيه مراسلات قديمة بين سامح وبعض المسؤولين عن الملفات الطبية، ومحاولات لإبعاد الشيخ عن متابعة علاجه بعد ما تحسنت حالته. كل حاجة كانت بتشير إنهم تعمدوا يخلّوه مقتنع إنه مش هيخلف أبدًا.
وكانت خطتهم واضحة: لو اتجوز ست أصغر منه وحصل حمل، يتهمها بالغدر، ويطردها، ويمنع الطفل من المطالبة بحقه. وبكده يفضل الشيخ من غير ورثة، وتفضل الثروة تحت سيطرتهم. أما أنا، فكنت الضحية الجديدة اللي اختاروها لتنفيذ الخطة.
المواجهة الأولى<!–nextpage–>
بعد ما جمعت الأدلة، قررت أواجه جوزي بالحقيقة. كنت عارفة إنه مش هيصدق بسهولة، خصوصًا إنه عاش سنين طويلة مقتنع إنه مش هيقدر يخلف. دخلت عليه مكتبه، ولقيته قاعد لوحده.
قلتله: ممكن نتكلم؟
قال من غير ما يبصلي: لو جاية تبرري اللي حصل، مش عايز أسمع.
حطيت قدامه نسخة من التقرير الطبي الأصلي. قلت: اقرأ ده الأول.
بص للورقة، وبدأ يقرأ. في البداية كان متضايق، لكن مع كل سطر، ملامحه كانت بتتغير. بعد ما خلص، رفع عينه وقال: إنتِ جبتي الورق ده منين؟
قلت: من الدكتور اللي كان بيعالجك.
قال: الدكتور فؤاد؟
هزيت راسي. فضل ساكت فترة طويلة. وبعدين قال: هو قالك إيه؟
شرحتله كل اللي عرفته، وإن العلاج كان ناجح، وإن التقارير الحقيقية اتبدلت بتقارير مزورة. كان واضح إنه مش قادر يستوعب.
قال بصوت منخفض: يعني أنا طول السنين دي كنت فاكر إني مش هخلف وكل ده كان كذب؟





