قصص قصيرة

الحـ,ـافيه حكايات رولا  

الحافيه حكايات رولا

أمي كانت تجلس في المقاعد الخلفية ترتدي فستانها القديم المزين بزهور باهتة وقد غطت فمها بيدها لتكتم بكاءها.

اقتربت من المدير ببطء ويدي ترتجف. أخذت الحذاء منه ولم أستطع أن أقول شيئا في البداية. كانت الكلمات تهـ,ـرب من لساني كطيور مفـ,ـزوعة.

لكني رفعت رأسي وقلت بصوت خافت يحمل ما تبقى من قوتي

شكرا سيدي المدير لكن إن سمحت لي لن أرتديه الآن.

رفع حاجبيه باستغراب وهمس الجمهور فيما بينهم فتابعت وأنا أتنفس بعمق

أريد أن أنهي هذا اليوم كما بدأته بالقدمين اللتين أوصلتاني إلى هنا.

سأرتديه غدا عندما أبدأ أول يوم لي كمعلمة.

حين أبدأ بفتح الطرق لآخرين مثلما فعلت أنا حفاة بخطى بطيئة لكن ثابتة.

كانت القاعة قد تحولت إلى بحر من الدموع والتصفيق.

الطلاب وقفوا جميعا بعضهم يصفق بقوة وبعضهم يضع يده على قلبه.

إحدى الأستاذات كانت تبكي علنا تمسح دموعها بمنديل صغير وهي تهمس

يا إلهي كم نحن محظوظون برؤيتها اليوم.

تقدم المدير نحوي

مرة أخرى وضع يده على كتفي وقال

آنسة راميريز التعليم بحاجة إلى أمثالك أنت اليوم أعطيتنا درسا أعظم من كل ما في كتبنا.

ثم التفت إلى الجمهور وقال بصوت أعلى

لن يكون هذا يوم تخرج عادي. سيكون يوما نتذكره طويلا لأن فتاة جاءت من الجبل حافية القدمين لتذكرنا أن الطريق إلى الحلم لا يقاس بطول المسافة بل بصدق الخطوة.

صفق الجميع من جديد وارتفع التصفيق كأنه موجة تكسـ,ـر جدار الصمت الطويل.

في تلك اللحظة شعرت أن قلبي لم يعد مجرد قلب في صدري بل شعلة تضيء القاعة كلها.

بعد انتهاء الحفل جاء إلي عدد من الطلاب ليلتقطوا صورا معي.

واحدة منهم همست لي قائلة

كنت على وشك أن أترك الدراسة لكن قصتك غيرت رأيي.

ابتسمت لها وقلت

لا تتركي الطريق أبدا حتى لو اضطررت إلى السير عليه حافية. فالحياة لا تختبرنا حين نبدأ بل حين نواصل.

حين خرجت من القاعة كان المساء قد بدأ يرخي ظلاله.

وضعت الشهادة في حقيبتي وحملت الحذاء بيدي وسرت نحو الطريق الطويل

الذي أعرفه جيدا.

كانت الأرض دافئة وأصوات العصافير تعود إلى أعشاشها.

رائحة الغبار اختلطت بنسيم خفيف من الجبل.

كل خطوة كنت أخطوها كانت خفيفة رغم التعب.

لم أعد أرى الصخور عقبات بل شواهد على طريق عبرته بإصرار.

في منتصف الطريق توقفت عند الجدول الصغير الذي يمر بجانب التل.

جلست على صخرة وغسلت قدمي بالماء البارد كما فعلت صباحا لكن هذه المرة كان الشعور مختلفا.

كانت قدماي مبللتين بالفخر لا بالطين.

فتحت حقيبتي أخرجت الشهادة ونظرت إليها طويلا.

كتبت عليها اسم أمي بقلمي الصغير بجانب اسمي.

قلت لنفسي بصوت مسموع

1 2الصفحة التالية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى