قصص قصيرة

الباب يفوت جمل كاملة بقلم انجي الخطيب

كانت **هناء** عارفة من أول ما فتحت عينيها إن اليوم ده مش هيعدي على خير. أهل **أحمد** جايين، وكالعادة، هيخرجوا من البيت وهم محسسينها إنها “ضيفة تقيلة” أو “خدامة بمرتبة زوجة”، مش ست البيت اللي شايلة كل حاجة.
اقتحمت **نهى** (سلفتا) الشقة أول واحدة، وقبل ما تقلع عبايتها، كانت عند التلاجة بتفتحها وهي بتلوي بوزها بضيق:
> “يا خبر! أكل جاهز يا هناء؟ ده إحنا قلنا هنيجي نلاقي عمايل إيديكي.. ولا هي إيديكي خدت على شيل التليفون وطلب الدليفري وبس؟”

أما **علاء** (أخو جوزها)، رمى جسمه على الكنبة وبدأ يتفحص الصالة بعين “خبير مثمن”:
> “يا أحمد، مش نوينا نغير طقم الصالون ده؟ بقى قديم قوي ومبقاش يملى العين.”

وصلت **الحمات (ست الكل)** آخر واحدة.. سيدة في الستين، بوقار مزيف ونظرة حادة زي الموس، وابتسامة مابتعديش شفايفها. مشت بصباعها على طرف الحوض وقالت بنبرة تقطر سم:
> “هناء يا حبيبتي.. الحوض مطفي ليه؟ الست الشاطرة بتبان من لمعة مطبخها، ولا إيه يا ضنايا؟”

ضغطت هناء على كفوفها تحت “المريلة”. بلعت غصتها وسكتت.. زي ما سكتت خمس سنين كاملة.
قعدوا كلهم على السفرة. تذوقت نهى السلطة وقالت: “دلع قوي، ملهاش طعم”. أما الحمات، خدت حتة صغيرة من الفراخ، ورجعت الشوكة مكانها بتنهيدة كلها لوم وقالت الجملة اللي هزت البيت:
**”أنا بصراحة مستغربة ومحتارة.. هو أحمد اتجوزك على إيه وأنتِ لانَفَس في الأكل ولا شطارة في بيت؟”**
ضحكت نهى بخباثة، وعلاء كمل وهو بيمسح بوقه: “ده أنا شفت نكتة غبار بين السيراميك في الحمام.. الست اللي بتفهم ميفوتهاش التفاصيل دي.”
في اللحظة دي، انكسر حاجة جوا هناء. انكسرت بهدوء، من غير صريخ ولا دموع.
قامت وقفت ببطء شديد. بصلها أحمد باستغراب: “هناء؟ رايحة فين؟”
مردتش. مشت بخطوات ثابتة لحد باب الشقة، وفتحته على آخره. لفت ليهم، وفي عينيها نظرة عمرهم ما شافوها.. نظرة ست قررت إن كرامتها أغلى من أي عِشرة.
**”برا.. كلكم. حالاً.”**
الحما برقت من الصدمة، وقامت نهى وهي بتبص لأحمد: “أحمد! عاجبك اللي بيحصل ده؟ هتسكت لها وهي بتطردنا من بيت أخونا؟”
لفت هناء لجوزها. خمس سنين من الصمت والتحمل. والآن، اللحظة اللي هتعرف فيها هي متجوزة “راجل” ولا مجرد “اسم في البطاقة”.
فتح أحمد بوقه عشان يتكلم..
**واللي قاله مكنتش هناء تتوقعه، ولا أهله حلموا بيه.**
*

أحمد بصلهم كلهم بنظرة هادية وغريبة، هدوء ما قبل العاصفة. الكل كان متوقع إنه هيقوم يزعق لهناء أو يخليها تعتذر، لكنه قام وقف جنبها عند الباب، وحط إيده على كتفها وبص لأمه وأخوه ومرات أخوه وقال:
“سمعتوا هناء قالت إيه؟ الباب يفوت جمل.”
**الحما** وقفت بذهول وشهقت: “أنت بتطردنا يا أحمد؟ بتطرد أمك عشان خاطر دي؟”
أحمد رد بمنتهى الحزم: “يا أمي، اللي يغلط في مراتي في بيتها يبقى بيغلط فيا أنا. هناء شالتكم وشالت تقطيمكم خمس سنين وهي ساكتةعشان خاطري، لكن لحد كرامتها ووقفت. البيت ده هي صاحبة الكلمة فيه، واللي مش عاجبه طبعها أو أكلها أو نظافة بيتها، ميتعبش نفسه ويجيلنا تاني.”
بص لـ **إبراهيم** وقال له: “ويا إبراهيم، بدل ما تعيب في صالون بيتي، ابقى علم مراتك إزاي تحترم بيوت الناس وهي داخلة.”
**نهى** وشها بقى ألوان من الكسوف، وإبراهيم أخد مراته وخرجوا وهم بيبرطموا بالكلام. أما الحما، فخرجت وهي بتقول: “بكرة تندم يا أحمد، بكرة تعرف قيمتي.”

1 2الصفحة التالية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى