
اختفت طيارة مقاتلة سنة 1944 دون أي أثر
اختفت طيارة مقاتلة عام 1944 – وبعد 70 عاماً، عُثر على طائرتها مهجورة في غابة…
في نوفمبر عام 1944 أقلعت إيفلين ويتمور من مطارٍ عسكري في ولاية ديلاوير في مهمة نقلٍ روتينية، كما أُبلغت عائلتها، لتسليم طائرة مقاتلة من طراز P-47 ثندربولت إلى الساحل الغربي.
لكن الطائرة لم تصل أبدًا إلى وجهتها. وبعد ثلاثة أسابيع فقط، تلقت العائلة برقية رسمية من القوات الجوية للجيش تفيد بأن إيفلين فُقدت فوق القناة الإنجليزية أثناء رحلة متجهة إلى بريطانيا.
لم يُعثر على أي حطام للطائرة، ولم تظهر أي إشارات استغاثة أو شهود للحادــ,,ـث، وبسرعة صُنفت القضية على أنها حادــ,,ـث مفقود في البحر، دون مبرر لمتابعة التحقيق.
كان ابنها روبرت في الثالثة من عمره فقط عندما اختفت. كبر وهو لا يعرف ماذا حدث لأمه، ولا أين انتهت رحلتها التي لم تعد منها.
وعلى مدى ستين عامًا كاملة، ظل روبرت يبحث عن الحقيقة، يفتش في الأرشيفات العسكرية، ويرسل الرسائل إلى وزارة الحرب، ويسأل كل من قد يعرف شيئًا عما جرى.
لم يتوقف أبدًا عن البحث، حتى وــ,,ـفاته عام 1998، وقد ظل السؤال نفسه يطارده طوال حياته: ماذا حدث لإيفلين ويتمور في تلك الرحلة؟
في عام 2014 ضرــ,,ـبت عاصفة شتوية عنيفة غابة آردين في بلجيكا، على بُعد آلاف الأميال من القناة الإنجليزية، وأسقطت الرياح أشجارًا ضخمة ظلت قائمة لعقود.
وأثناء إزالة الأشجار المتساقطة، لاحظ عمال الغابات بقايا معدن مدفون عميقًا تحت الأرض، وعندما بدأوا الحفر ظهرت ملامح طائرة مقاتلة قديمة مدفونة منذ زمن طويل.
كانت الطائرة من طراز P-47 ثندربولت، وقد ظل هيكلها مدفونًا تحت سبعين عامًا من التربة والجذور، وكأن الغابة ابتلعتها ثم احتفظت بسرها طوال تلك العقود.
عندما فحص المحققون الرقم التسلسلي للطائرة، اكتشفوا شيئًا مذهلًا: الرقم يطابق طائرة أُعلنت رسميًا أنها تحطمت في البحر فوق القناة الإنجليزية عام 1944.
لكن الدليل الأكثر غرابة كان في جسم الطائرة نفسه، إذ كان هيكلها مثقوبًا بعشرات ثقوب الرصاص التي تتوافق بوضوح مع نيران أرضية ألمانية مضادة للطائرات.
وعلى بُعد نحو ثلاثين مترًا فقط من الحطام، لاحظ الفريق شيئًا آخر غير متوقع: صليبًا بسيطًا مصنوعًا من حجارة مرتبة يدويًا فوق بقعة مرتفعة قليلًا من الأرض.
عندما بدأوا الحفر أسفل الصليب، اكتشفوا قبــ,,ـرًا ضحلًا مدفونًا بعناية، وكأن شخصًا ما أراد أن يدفــ,,ـن الجــ,,ـثمان باحترام، رغم ظروف الحرب والفوضى.
داخل سترة الطيران الملفوفة حول الرفات، عثر المحققون على رسالة قديمة محفوظة بشكل مذهل، رسالة ستجبر الجيش لاحقًا على كشف برنامج سري ظل مخفيًا لعقود.
كان ذلك البرنامج عملية سرية أرسلت نساء أمريكيات في مهام قتالية فوق أوروبا التي احتلتها ألمانيا النازية، ثم محا وجودهن تمامًا عندما لم يعدن إلى الوطن.
بعد ثمانية عقود تقريبًا، بدأت الحقيقة أخيرًا تخرج إلى الضوء.
في صباح يوم ثلاثاء رمادي من شهر مارس، كان دانيال ويتمور يراجع ملف قضية احتيال في المشتريات داخل مكتبه، عندما رن هاتفه المكتبي فجأة.
كان دانيال يعمل في مكتب التحقيقات الخاصة التابع لسلاح الجو منذ ستة عشر عامًا، وقد عُرف بين زملائه بقدرته الغريبة على كشف الأشياء التي يحاول الآخرون إخفاءها.
كان يبلغ من العمر أربعة وأربعين عامًا، مطلقًا حديثًا، ويعيش حياة هادئة إلى حدٍ ما، باستثناء عمله الذي كثيرًا ما قاده إلى قصص معقدة.
عرّف المتصل نفسه بأنه العقيد ماركوس ويب من وكالة محاسبة أسرى الحرب والمفقودين التابعة لوزارة الدفاع، وكان صوته هادئًا ومتزنًا بشكل لافت.
قال الرجل عبر الهاتف:
العميل الخاص ويتمور، أتصل بشأن عملية انتشال جــ,,ـثث في بلجيكا. لقد حددنا رفاتًا يبدو أنها مرتبطة بعائلتك.
كانت أول فكرة خطرت ببال دانيال هي والده، روبرت ويتمور، الذي خدم في الحرب الكورية وتوفي عام 1998 بعد سنوات طويلة من المرض.
لقد كان دانيال حاضرًا يوم دفــ,,ـن والده، عندما أنزلوا النعش ببطء داخل التربة الطينية في فرجينيا، وسط صمتٍ ثقيل لم ينسه أبدًا.
قال مترددًا:
أنا آسف يا سيدي العقيد… لا أفهم. كيف تم الربط بين الرفات وعائلتي؟
ساد صمت قصير على الخط، تلاه صوت أوراق تُقلب ببطء.
ثم قال ويب أخيرًا:
الرفات تعود إلى امرأة. واستنادًا إلى القطع التي عُثر عليها في الموقع، نعتقد أنها قد تكون جدتك، إيفلين ويتمور.
لم يجب دانيال فورًا.
استقر الاسم داخل ص.دره وكأنه حجر ثقيل.
لم يسمع عنها في حياته إلا مرات قليلة، فقد كان والده نادرًا ما يتحدث عنها، وكأن ذكرها يعيد فتح جرح قديم لم يلتئم.
كل ما بقي منها كان صورة واحدة فقط: شابة ترتدي بدلة طيران، تقف بجوار طائرة مقاتلة، وشعرها الداكن مشدود إلى الخلف وهي تحدق في الشمس.
تابع العقيد ويب حديثه قائلًا:
هذا ما نحتاج إلى مناقشته. موقع الاستخراج يقع في غابة آردين، على بعد خمسة عشر كيلومترًا تقريبًا من الحدود الألمانية.
وأضاف:
عُثر على الرفات بجانب طائرة P-47 ثندربولت تحمل الرقم التسلسلي نفسه لطائرة أُعلن رسميًا أنها فُقدت فوق القناة الإنجليزية.
توقف لحظة ثم قال ببطء:
هناك بعض التناقضات التي نحاول فهمها.
كان دانيال يعرف هذه الكلمة جيدًا.
في عالم التحقيقات، كلمة تناقضات تعني دائمًا شيئًا واحدًا:
هناك قصة قيلت للعالم… لكنها ليست الحقيقة.
رفع عينيه نحو النافذة الرمادية وقال بهدوء:
سأكون على متن الرحلة التالية.
في تلك الليلة جلس دانيال على أرضية شقته، محاطًا بصناديق كرتونية تركها له والده بعد وــ,,ـفاته، وكانت مليئة بوثائق قديمة تراكمت خلال سنوات طويلة من البحث.
كان معظم الصناديق يحتوي على أوراق روتينية وفواتير قديمة، لكن الصندوق الرابع كان مختلفًا تمامًا، فقد امتلأ بمراسلات تعود لعقود طويلة من محاولات البحث عن الحقيقة.
كانت هناك رسائل إلى وزارة الحرب تعود إلى عام 1952، وطلبات رسمية بموجب قانون حرية المعلومات، واستفسارات موجهة إلى الأرشيف الوطني ووكالة البحوث التاريخية التابعة للقوات الجوية.
وجميع تلك الرسائل كانت تدور حول سؤال واحد فقط، سؤال كرره والده عشرات المرات عبر السنين، وكأنه يرفض الاستسلام للصمت الرسمي.
ماذا حدث لإيفلين ويتمور؟
لكن الردود التي وصلته عبر العقود كانت متشابهة بشكل مريب، وكأنها نُسخت من نموذج واحد ثم أُرسلت مرارًا.
لم تكن هناك سجلات إضافية متاحة. تم التحقيق في الحادــ,,ـث سابقًا. لا يوجد ما يستدعي اتخاذ أي إجراءات أخرى.
عثر دانيال على الصورة قرب قاع الصندوق، وكأنها كانت آخر ما احتفظ به والده من تلك القصة.
في الصورة كانت إيفلين تقف بجوار طائرة مقاتلة من طراز P-47 ثندربولت، ترتدي بدلة الطيران، وشعرها الداكن مثبت للخلف بينما تحدق بثقة نحو الشمس.
أسفل الصورة كانت هناك قصاصة صحفية قديمة مؤرخة في يونيو عام 1943.
ذكرت صحيفة هاريسبرج كورير أن إيفلين ويتمور، البالغة من العمر أربعة وعشرين عامًا، قد انضمت إلى وحدة تدريب الطيران النسائية في قاعدة أفينجر الجوية بولاية تكساس.
ونقلت الصحيفة عنها جملة قصيرة قالتها بابتسامة أمام الصحفيين:





